هذا "البعبع" لا يخشاه جوزاف عون!
في الثقافة الشعبية اللبنانية، “البعبع” ليس مجرد كلمة عابرة، بل صورة راسخة في الذاكرة الجماعية، تُستخدم لتخويف الأطفال من خطرٍ غامض، كائنٍ مخيف يُختصر فيه كل ما هو مرعب وغير مفهوم. هو ذاك الذي يُراد له أن يكون رمزاً للرعب المطلق، حتى لو لم يكن مرئياً، لكنه حاضر في الوعي كتهديد دائم.
في مشهدٍ لا يخلو من المفارقة، يخرج السفير الأميركي في لبنان من على منبر بكركي ليسأل: “هل نتنياهو بعبع؟”. سؤالٌ يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، لكنه في عمقه يكشف انفصالاً صارخاً عن واقعٍ يعيشه اللبنانيون يومياً، وعن ذاكرةٍ لا تزال تنزف.
فمن هو “البعبع” إن لم يكن بنيامين نتنياهو؟ أليس هو نفسه الذي أمضى العامين الماضيين غارقاً في دماء المدنيين اللبنانيين؟ أليس هو من دمّر الجسور والبنى التحتية، وجرف القرى الحدودية، وحوّل مناطق بكاملها إلى أرضٍ محروقة؟ أليس هو من وسّع دائرة الاستهداف لتطال قلب بيروت، موقعاً مئات الضحايا من المدنيين، وتحديداً في ذلك “الأربعاء الأسود” الذي أعقب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران؟
ثم ماذا عن استهداف الصحافيين وعمال الإغاثة؟ ماذا عن مشاهد الدمار التي لم تفرّق بين حجرٍ وبشر؟ وأين يمكن تصنيف كل ذلك إن لم يكن في خانة الإرهاب المنهجي الذي يرعاه ويقوده نتنياهو؟ وإذا لم يكن هذا “بعبعاً”، فماذا يكون؟
اللافت أن هذا السؤال يُطرح في توقيتٍ دقيق، يتقاطع مع الحديث عن احتمال لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون مع نتنياهو في الولايات المتحدة. وهنا، لا بد من التذكير بحقيقةٍ بديهية: قرار رئيس الجمهورية ليس مادةً للنقاش الخارجي، ولا ساحةً للمزايدات الداخلية. هو قرار سيادي بامتياز، يُقاس حصراً بمصلحة لبنان، لا برغبات العواصم ولا بإملاءات السفارات.
فالرئيس جوزاف عون هو من يقرر. إن ذهب، فذلك لأنه يرى في الزيارة مصلحة وطنية واضحة. وإن لم يذهب، فذلك أيضاً لأنه يقدّر أن مصلحة لبنان تقتضي ذلك. في الحالتين، القرار لبناني خالص، لا يُنتزع تحت الضغط، ولا يُصاغ في كواليس الخارج.
ومن هنا، يصبح النقاش أبعد من شخص نتنياهو أو توصيفه. إنه نقاش حول السيادة. فمن يرفض أن تكون إيران متحكمة بالقرار اللبناني، عليه أن يرفض بالمعيار نفسه أي محاولة أميركية لفرض إيقاعها على هذا القرار. السيادة لا تُجزّأ، ولا تُقاس بمعايير مزدوجة.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وقد تتباين قراءاتهم للمشهد الإقليمي، لكن ما لا يجوز الاختلاف عليه هو حق الدولة في أن تقرر بنفسها، وأن تحمي موقعها من أي تدخل، مهما كان مصدره. فلبنان لا يُدار من الخارج، ولا تُرسم خياراته في السفارات.
وفي لحظةٍ تختلط فيها الضغوط بالرسائل السياسية، يبقى الرهان على وعي رأس الدولة، وعلى قدرته في إدارة التوازنات الدقيقة. فالرئيس جوزاف عون، بما يملكه من خبرةٍ وحكمة، يدرك أن كل خطوة في هذا التوقيت تحمل أثماناً وتداعيات، وأن القرار، أيّاً كان، يجب أن يكون محكوماً بمصلحة لبنان أولاً وأخيراً.
أما السؤال عن “البعبع”، فربما كان يحتاج إلى قليلٍ من الإنصات… لا إلى إعادة تعريف.
وفي الخلاصة، فإن رئيس الجمهورية جوزاف عون لا يخشى “بعبعاً” عندما تكون مصلحة لبنان على المحك. هو من يقرر الذهاب أو عدمه، وفي الحالتين ينطلق من حسابٍ واحد: مصلحة لبنان أولاً. أما أي تدخل خارجي، ولا سيما الأميركي، في هذا القرار، فهو مرفوض ومدان، لأنه يمس جوهر السيادة الوطنية التي لا تقبل المساومة.
وليد خوري - ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|