الصحافة

الجنوب تحت النار… ووحدة اللبنانيين تحت الاختبار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في الوقت الذي نشهد فيه كيف أن إسرائيل تدّك بلدات الجنوب وقراه يوميًا، وبالأخصّ بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع إضافية، نرى الداخل اللبناني يتلهى بما لا يليق بأي مكون لبناني. وهذه الحقيقة انكشفت مراميها بعد الحملة المنظمة والمبرمجة على البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي، وما تمثّله بكركي في الوجدان الوطني والمسيحي من قيم وطنية وروحية، ومن دور تاريخي لعبته هذه المرجعية الوطنية عبر بطاركتها الأبطال والقديسين.

وفي رأي مرجع كنسي في بلاد الانتشار أن استهداف بكركي ودورها الوطني التاريخي يصبّ في خانة بعض الذين يحاولون تغطية السماوات بالقبوات، وذلك من خلال حرف الأنظار عمّا يلحق بالبلدات والقرى الجنوبية من تدمير ممنهج من قِبل الجيش الإسرائيلي، وذلك من ضمن مخطّط واضح المعالم بهدف تغيير المعالم الجغرافية لمنطقة واسعة من الجنوب الممتدة من الناقورة غربًا حتى شبعا شرقًا.

وهذه الحقيقة مع ما فيها من واقعية مؤلمة ومحزنة تظهر في شكل مأسوي مدى عدم قدرة اللبنانيين على حلّ مشاكلهم الداخلية بأنفسهم، وهم غالبًا ما يلجأوون إلى الخارج لكي يمدّ لهم يد المساعدة لإخراجهم من عنق الزجاجة، الذي حشروا أنفسهم فيه.

فقبل حرب الاسناد الأولى، وقبل كل هذا القتل والدمار والخراب والتهجير، سمع اللبنانيون كلامًا قاله لهم الموفد الفرنسي جان ايف لودريان في أولى زياراته للبنان. لكنهم أصمّوا أذهانهم ولم يريدوا أن يسمعوا الكلام المفيد، وهو أنهم إن لم يساعدوا أنفسهم بأنفسهم فإن لا أحد من دول العالم مستعد لأن يمدّ لهم يد المساعدة.

واليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو أن هذا الكلام لم يفقد صلاحيته، بل اكتسب بعدًا أكثر إلحاحًا وخطورة. فلبنان الذي لم يُحسن التقاط الفرص في لحظاتها، يجد نفسه مجددًا أمام مشهد مزدوج: نار مشتعلة في الجنوب، وانشغال عبثي في الداخل، كأن هناك من يصرّ على إدارة الظهر لما يجري على الأرض، والانخراط في سجالات لا تقدّم ولا تؤخّر، بل تساهم في تعميق الشرخ الداخلي وإضعاف المناعة الوطنية.

وفي تقدير أوساط ديبلوماسية متابعة، فإن ما يحصل اليوم ليس مجرد صدفة أو تزامن عابر بين التصعيد الإسرائيلي والانقسام الداخلي، بل هو انعكاس لواقع لبناني مأزوم، يُسهّل على الخارج فرض إيقاعه. فإسرائيل، التي تمضي في سياسة التدمير المنهجي، تدرك تمامًا أن غياب الموقف اللبناني الموحد يمنحها هامشًا أوسع للمناورة، ويُضعف قدرة الدولة على التفاوض أو حتى الاعتراض الفعّال على ما يجري.

وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي، الذي يراقب ما يحصل، لا يبدو مستعدًا لتقديم أي دعم فعلي ما لم يلمس جدية لبنانية في ترتيب البيت الداخلي، ووقف هذا الانزلاق المستمر نحو التفكك. فالدول المعنية بالملف اللبناني، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وبعض الدول العربية، باتت تتعامل مع لبنان على أنه بلد يفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق الداخلي، ما يجعل أي مبادرة إنقاذية عرضة للسقوط قبل أن تبصر النور.

أما الأخطر، فهو أن الانقسام لم يعد محصورًا في السياسة، بل بدأ يتسلل إلى البنية المجتمعية، من خلال استهداف الرموز والمرجعيات، وفي مقدّمها بكركي، بما تمثّله من ذاكرة وطنية جامعة. فحين تُستهدف هذه الرموز، يصبح السؤال مشروعًا عمّا إذا كان المطلوب فقط تصفية حسابات ظرفية، أم ضرب ما تبقّى من ركائز الكيان اللبناني.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن محاولات دؤوبة لإعادة رسم توازنات داخلية جديدة، على إيقاع التحولات الإقليمية، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه، ولو على حساب الاستقرار العام. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن لبنان، في مثل هذه اللحظات، يكون دائمًا الخاسر الأكبر، لأن أي خلل في توازنه الداخلي يفتح الباب واسعًا أمام تدخلات الخارج.

فاللبنانيون، على ما يبدو، لم يتعلّموا بعد من دروس الماضي القريب والبعيد. فبدلًا من أن يشكّل الخطر الخارجي حافزًا لوحدتهم، يتحوّل إلى مناسبة إضافية للانقسام. وبدلًا من أن تكون بكركي، كما كانت دائمًا، مساحة جامعة، تصبح هدفًا لحملات لا تخدم إلا من يريد للبنان أن يبقى ساحة مفتوحة لكل الرياح.

فهل ينجح اللبنانيون، هذه المرّة، في كسر هذه الحلقة المفرغة، أم أنهم سيبقون أسرى هذا التناقض القاتل بين الخطر الداهم والانقسام المزمن؟ في الإجابة عن هذا السؤال يتحدد مصير وطن، لم يعد يحتمل المزيد من الأخطاء.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا