لبنان أمام فخّ "الصورة".. هل يجد عون مخرجًا بين الحرب والتنازل؟
لم يعد النقاش الدائر حول التفاوض مع إسرائيل محصورًا بالسؤال التقليدي عن مبدأ الجلوس إلى الطاولة، أو بالحدود الفاصلة بين التفاوض المباشر وغير المباشر. فالمسألة باتت أكثر تعقيدًا، بعدما دخلت على الخطّ عناصر إضافية تتصل بصورة لبنان الخارجية، وبحسابات العهد الجديد، وبقدرة الدولة على تحويل الضغط الأميركي إلى مسار يخدمها، لا إلى عبء سياسي يلاحقها في الداخل، خصوصًا بعدما أصبح الهدف برأي كثيرين جرّ لبنان إلى "صورة تطبيعية" مع إسرائيل، يمكن استثمارها حتى في حال فشل المفاوضات.
في هذا السياق، يجد الرئيس جوزاف عون نفسه أمام استحقاق قد يكون "الأثقل" منذ توليه سدّة المسؤولية، فالمطلوب منه دوليًا تقديم "إثباتات" على قدرة الدولة على الإمساك بزمام المبادرة في الجنوب، بينما يفرض الواقع المحلي عليه الموازنة مع قوى ميدانية وسياسية ترفض أن يكون ثمن الاستقرار هو "تطبيع مقنّع"، وسط مخاوف تبدو أكثر من مشروعة من أن تؤدي أي خطوة غير محسوبة إلى صدامات قد تأخذ طابعًا سياسيًا وشعبيًا وطائفيًا.
لذلك، لا تكمن العقدة في التفاوض وحده، وإنما في "صورته". فلبنان الرسمي لا يستطيع تجاهل الضغط الأميركي، ولا يملك ترف البقاء في موقع المتفرج على تصعيد إسرائيلي مفتوح جنوبًا. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الذهاب إلى أي لقاء أو صيغة تفاوضية تظهره كمن يمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا مجانيًا فيما تستمر الاعتداءات والخروقات. فهل يجد مَخرَجًا بين الحرب والتنازل، بما يؤدي إلى تهدئة مستدامة لا تخدش السيادة ولا تستفز المكونات الداخلية؟
معضلة "الشكليات"
في الأعراف الدبلوماسية، قد توازي "الصورة" أحيانًا أهمية المعاهدات المكتوبة، وهو ما تخشاه بيروت في هذه المرحلة تحديدًا. فمجرد الانتقال من النقاش التقني البحت حول الخروقات إلى إطار "اللقاءات السياسية"، يمنح الانطباع بأن المسار قد تجاوز "فك الاشتباك" نحو "تغيير القواعد". هنا تبرز الحسابات الرئاسية التي تخشى أن تتحول الصورة إلى مادة للاستثمار في الصراعات الطائفية والسياسية، مما يصور الدولة كأنها قدمت تنازلًا استراتيجيًا بلا مقابل ملموس.
من هنا يمكن فهم الحذر الرئاسي في التعامل مع الضغوط الأميركية. فالمطلوب من لبنان، وفق ما يبدو، ليس فقط الانخراط في مسار تفاوضي، وإنما إعطاء إشارة سياسية أكبر من قدرة الداخل على احتمالها. أما المقاربة
اللبنانية، فتقوم على مبدأ "التبريد المتدرج"، بمعنى أنّ المطلوب وقف الاعتداءات تمامًا، ثم تثبيت الآليات الأمنية، وصولًا إلى أي إمكانية البحث بعد ذلك في أي صيغة لاحقة، لكن من موقع أقلّ ضعفًا.
بهذا المعنى، يحاول عون أن يبدّل ترتيب الأولويات، حتى لا يمنح الإخراج الدبلوماسي صك براءة لإسرائيل من اعتداءاتها المستمرة.وبناء على ذلك، يواجه العهد تحدي إقناع الوسطاء بأن "الاستقرار المستدام" لا يمكن اختزاله في مشهد بروتوكولي سريع، بل في توازنات ميدانية قادرة على الصمود. فإذا نجح لبنان في تحويل الضغط الأميركي إلى قوة دفع لإلزام إسرائيل بالانسحاب من النقاط العالقة، يكون قد ربح المعركة السياسية؛ أما إذا اقتصر الأمر على تلبية الرغبات الشكلية لواشنطن، فإن التفاوض سيتحول من مخرج للأزمة إلى عبء إضافي يثقل كاهل الرئاسة.
"الميكانيزم" كحل وسط
في هذا السياق، يعود الحديث عن تفعيل "الميكانيزم" بوصفه الصيغة الأكثر واقعية للخروج من حالة الجمود الراهنة دون الوقوع في فخ المواجهة السياسية أو اللقاء المباشر. فهذه الآلية، بطبيعتها التقنية والأمنية، توفر للدولة "غطاءً" قانونيًا لمتابعة الملف الجنوبي بعيدًا عن الاستقطاب الحاد، وهي تسمح بإبقاء القنوات مفتوحة مع الخارج والداخل في آن واحد، من دون الاضطرار لكسر السقوف التي رسمتها القوى المحلية، وفي مقدمتها "حزب الله" الذي يراقب بدقة أي انزياح نحو التفاوض المباشر.
وتكمن قيمة هذه الصيغة في قدرتها على امتصاص الاحتقان، فإذا كان لبنان يحتاج إلى قناة ضبط ميدانية، فإن "الميكانيزم" هو القناة المعتمدة التي لا تتطلب اعترافًا سياسيًا صادمًا، كما أنها تسمح بإبقاء الملف ضمن إطار أمني وتقني، بدل نقله سريعًا إلى مستوى سياسي يفتح كل الأبواب الخلافية دفعة واحدة. وإذا كانت الإدارة الأميركية تبحث عن "حركة ما" لتسويقها، فإن تفعيل اللجنة التقنية يمنحها مادة دسمة للاستخدام الدبلوماسي.
هكذا، يتحول الطابع الفني لهذه الآلية إلى "صمام أمان" يخفف الكلفة السياسية على العهد، ويمنحه الوقت الكافي لترتيب أوراقه الداخلية قبل الذهاب إلى أي التزامات كبرى. لكن التحدي الحقيقي يظل في "الجدوى" لا في "الشكل"؛ فهل يملك هذا الميكانيزم قدرة فعلية على منع الخروقات الإسرائيلية؟ وهل يستطيع انتزاع جدول زمني للانسحاب؟ وقبل هذا وذاك، هل يتوافر قرار أميركي جدي بتحويلها إلى أداة ضغط، لا مجرد إطار لإدارة الوقت؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مصير هذه الصيغة وما إذا كانت مخرجًا حقيقيًا. فإذا لم يتحول الميكانيزم إلى أداة ضغط حقيقية مدعومة دوليًا، فإنه سيبقى مجرد "هدنة سياسية" مؤقتة، تمنح الأطراف وقتًا مستقطعًا من دون أن تغير في موازين القوى التي فرضها الميدان طوال الأشهر الماضية.
في المحصلة، يقف لبنان اليوم في منطقة رمادية دقيقة، حيث لا يمكنه العودة إلى مناخات المواجهة الشاملة، ولا يستطيع في المقابل القفز نحو "سلام تقني" غير مضمون النتائج، خصوصًا في ضوء موقف "حزب الله"، الذي يرفع سقف خطابه السياسي ويتعامل مع أي دفع باتجاه لقاء مباشر باعتباره انتقالًا من الضغط الميداني إلى محاولة انتزاع تنازل سياسي.
لذلك، تبدو المعركة الحقيقية بين خيارين كلاهما صعب: تفاوض محكوم بضمانات غير مضمونة، أو انتظار قد يمنح إسرائيل فرصة توسيع الضغط وفرض وقائع جديدة. ومن هنا، تبدو محاولة العهد قائمة على البحث عن منطقة وسطى بين الانفعال والتنازل، وبين الرفض المطلق والقبول غير المشروط.
هذه المنطقة قد تكون في تفعيل "الميكانيزم"، وفي ربط أي خطوة لاحقة بوقف الاعتداءات، وفي تحويل الضغط الأميركي من أداة على لبنان إلى أداة على إسرائيل أيضًا. لكنّ نجاح هذا الأمر يتطلب أكثر من عامل، داخلي وخارجي، بدءًا من "التماسك الداخلي" الذي لا يبدو متوافرًا حتى الآن، وصولاً إلى ضمانة خارجية بتحويل "الميكانيزم" من إجراء شكلي إلى ضمانة سيادية. فهل ينجح عون في تحقيق ذلك؟
حسين خليفة - "لبنان 24"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|