الصحافة

أولوية السلطة في زمن الحرب: خيم "البيال" تزعج موسم الصيف!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بعد الإعلان عمَّا سُمّي «هدنة» قبل نحو شهر، بما كرّس عملياً تحييد بيروت عن الاستهدافات الإسرائيلية مع استمرار حرب الإبادة في جنوب لبنان، تحرّك أصحاب المطاعم والملاهي الليلية على الواجهة البحرية في «البيال» في أكثر من اتجاه، مطالبين بإخلاء النازحين وخيمهم المنصوبة في المنطقة، تمهيداً لإعادة الحياة إلى ما يسمّونه «دورتها الطبيعية» من سهر وأنشطة ترفيهية. وبالنسبة إلى هؤلاء، مشهد الخيم استثناء غير مرغوب فيه ضمن الصورة التي يُراد للعاصمة أن تصدّرها، ولا سيما مع اقتراب موسم الصيف واستعادة مناطق أخرى من بيروت نشاطها الترفيهي، وما دام صوت الصواريخ المعادية لا يصل إلى الواجهة البحرية «المظلومة».

في هذا السياق، وليس في سياق إنساني، جاء تحرّك وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد باتجاه العائلات النازحة المقيمة في الخيم، مطالبةً إياها بالانتقال إلى المدينة الرياضية.

ومع أن السيّد كانت قد أعطت سابقاً توجيهاتها إلى الأجهزة المعنية لدعوة تلك العائلات للانتقال إلى المدينة الرياضية أو إلى مراكز الإيواء التي لا تزال مُتاحة في مناطق الشمال، إلا أن متابعة الملف بقيت في حدّها الأدنى، واقتصرت على المناشدات، من دون التعامل معه بإلحاح كما يحصل منذ أيام، علماً أن الظروف المناخية والأمنية خلال الشهرين الماضيين كانت كفيلة بفرض البحث عن حل يحفظ كرامة النازحين ويعفيهم من الإقامة في الشوارع، ولا سيما أن السيّد كانت قد سمعت، من جهات معنية تعمل في المجال الإنساني، أن استمرار وجود نازحين في خيم على الطرقات يُعدّ أمراً «معيباً» بحق كرامتهم الإنسانية.

وما يؤكد أن الملف لم يكن يحظى سابقاً بالأولوية نفسها التي يحظى بها اليوم، إعلان تجهيز المدينة الرياضية بألف خيمة إضافية الأسبوع الماضي، ما يعني أن دعوات انتقال المشرّدين من الشوارع إليها كانت دونها عقبات مرتبطة بالجهوزية وبقدرة الاستيعاب المحدودة.

من المؤكد أن الإقامة في خيم على الطرقات خيار سيّئ أمنياً وإنسانياً، لكن تقديم حنين السيد للمدينة الرياضية بوصفها «مكاناً ممتازاً للنزوح»، ليس دقيقاً. فواقع المكان يطرح مشكلات عديدة، من التصاق الخيم بعضها ببعض، إلى إلزام النازحين بالحصول على تصاريح للدخول والخروج، والتدقيق في الزائرين، فضلاً عن غرق الخيم شتاءً والحرار المرتفعة داخلها صيفاً.

وإذا كان بمقدور الأفراد نصب خيم بجهودهم الذاتية، فإن العمل الإنساني على المستوى الحكومي لا يفترض أن يكون سقفه تأمين خيمة داخل مجمّع غير مؤهّل أساساً للسكن. ومما يُسجّل للجنة الطوارئ الحكومية برئاسة وزير البيئة السابق ناصر ياسين أنها، خلال أيام قليلة من بدء عدوان أيلول 2024، نجحت في منع بقاء أي خيمة نزوح في الشوارع، من دون الحاجة إلى استخدام مجمّع المدينة الرياضية، رغم أن أعداد النازحين حينها كانت تقارب العدد الحالي المُقدّر حكومياً، أي أكثر من مليون نازح بقليل، إذ فُتح آنذاك 1173 مركز إيواء، فيما تكتفي اليوم السيّد وزميلتها وزيرة التربية ريما كرامي بافتتاح 629 مركزاً فقط.

والتفصيل الأهم هنا، أن عدد مراكز الإيواء في بيروت وجبل لبنان خلال عدوان 2024 تجاوز عدد المراكز في الأطراف، كالشمال وعكار، انسجاماً مع واقع أن بيروت وجبل لبنان هما وجهتا النزوح الأساسيتان لسكان الضاحية الجنوبية وأهالي البلدات الجنوبية الذين يجدون سهولة أكبر في الإقامة بالقرب من العاصمة، باعتبارها منطقة مألوفة لهم، أو لوجود أقارب لهم فيها.

أمّا اليوم، فإن غياب مراكز إيواء كافية في بيروت وجبل لبنان، استجابة لرغبات بعض القوى السياسية الرافضة لفتح مراكز في مناطق نفوذها، هو ما أدّى أساساً إلى ظهور خيم النزوح في «البيال».

فمعظم النازحين هناك لا يرفضون الإقامة في مراكز إيواء أو مدارس ضمن هاتين المحافظتين. لكن، بدلاً من الاعتراف بجذر المشكلة ومعالجته بالطرق المناسبة، تبرّعت الدولة، التي تتباهى السيّد بأنها تقود الاستجابة الإنسانية فيها، بتقديم خيار الإقامة في خيمة داخل المدينة الرياضية بوصفه حلاً.

كذلك تعمّدت السيّد، خلال حديثها المتكرّر في الأيام الماضية عن نازحي «البيال»، التركيز على أن عددهم لا يتجاوز 0.1% من إجمالي النازحين، بما يعطي انطباعاً بأن المسألة لا تكاد تُذكر. لكن، بما أن السيّد تعتمد رقم 1,2 مليون نازح، وبما أن وحدة إدارة الكوارث سجّلت وجود 127 ألفاً منهم داخل مراكز الإيواء، فإن نسبة 0.1% من مجمل النازحين البالغ عددهم مليوناً و73 ألفاً، تساوي 1073 شخصاً، أي ما يقارب 214 عائلة، إذا ما اعتُمد المعيار الإنساني العالمي الذي يحتسب متوسط عدد أفراد الأسرة بخمسة أشخاص.

وبحسب تقرير وحدة إدارة الكوارث، يتوزّع النازحون الـ127 ألفاً على 629 مركز إيواء كالآتي: 139 مركزاً في بيروت تؤوي 50.2 ألف نازح، 253 مركزاً في جبل لبنان تضم 40 ألفاً، 88 مركزاً في الجنوب تضم 25.7 ألفاً، 60 مركزاً في الشمال تضم 5.2 آلاف نازح، 54 مركزاً في البقاع تضم 3.9 آلاف، 21 مركزاً في عكار تضم 1.2 ألف، 12 مركزاً في النبطية تضم 971 نازحاً، فيما يوجد مركزان فقط في بعلبك - الهرمل يضمان 79 نازحاً.

واللافت في هذه الأرقام أن عدد النازحين داخل مراكز الإيواء في بيروت يفوق عددهم في جبل لبنان بنحو 10 آلاف و200 نازح، رغم أن عدد المراكز المفتوحة في بيروت يوازي تقريباً نصف عدد المراكز في جبل لبنان، ما يؤكّد أن عدد المراكز المفتوحة في العاصمة غير كافٍ، وأن السيّد وزميلتها كرامي سايرتا، إلى حدّ بعيد، الضغوط والمطالب السياسية التي دفعت في هذا الاتجاه.

«الشؤون» أنفقت أقلّ من 1% من التمويل لتغطية احتياجات النازحين

بحسب الرابط الذي نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) والخاص بـ«النداء العاجل» الذي أطلقته الحكومة اللبنانية في 13 آذار لتمويل خطة الاستجابة، فإن مجموع التمويل الوارد بلغ 125 مليوناً و821 ألف دولار، من أصل 308 ملايين دولار طلبتها الحكومة، أي ما يعادل 40.8% من المبلغ المطلوب. إلا أن المبلغ المُستخدم فعلياً لم يتجاوز مليونين و825 ألف دولار، أي ما يوازي 0.9% فقط من الاحتياجات المطلوبة لتغطية احتياجات النازحين.

وتؤكّد مصادر معنية أن توجّه وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد بحصر توزيع المساعدات من قبل الجمعيات والمنظمات داخل مراكز الإيواء لا يزال قائماً، في مقابل استفادة النازحين المقيمين في المنازل من حصص غذائية وزّعها مجلس الجنوب، إضافة إلى مبالغ مالية قُدّمت لبعض العائلات.

ووفق تقرير صادر عن وحدة إدارة الكوارث الأربعاء الماضي، تلقّى 450,883 نازحاً خارج مراكز الإيواء مساعدات مالية، أي ما يعادل نحو 90 ألف عائلة من أصل حوالي 214,600، ما يعني أن نسبة المستفيدين لا تتجاوز تقريباً 42% من إجمالي النازحين خارج المراكز. وهذه المبالغ هي عبارة عن حدٍّ أقصى قدره 145 دولاراً لعائلة مؤلفة من 5 أفراد، تستفيد منه العائلة مرة في الشهر، وبدأ توزيعه في نيسان الماضي، بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب.

وبحسب مصادر معنية بهذا الملف، بلغ عدد العائلات المُسجّلة على الرابط الإلكتروني التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية نحو 300 ألف عائلة طلبت الاستفادة من المساعدات النقدية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المستفيدين خلال أيار الجاري قد يرتفع إلى نحو 140 ألف عائلة، فيما لا تتعدّى القدرة على الاستمرار في دفع المساعدة المالية ثلاثة أو أربعة أشهر.

ورغم الإطلالات الإعلامية المتكرّرة للسيّد، لم توضّح مصادر التمويل التي تغذّي هذه المساعدات النقدية، ولا المدة الزمنية المتوقّعة لاستمرارها، ولا العدد الفعلي للعائلات المستفيدة، وسط تضارب واضح بين أرقام وحدة إدارة الكوارث التي تحدّثت عن 450,883 مستفيداً، يُفترض أنهم يشكّلون بالحد الأدنى نحو 90 ألف عائلة، وبين الحديث عن استفادة 75 ألف عائلة فقط، وفق ما نقلته المصادر.

كذلك، لم توضّح الوزارة متى بدأ التوزيع تحديداً، خلال آذار أم نيسان، ولا المعايير المُعتمدة لاختيار العائلات المستفيدة أو توزيعها الجغرافي، مع اعتماد مقاربة تقوم على تقليل المعلومات المُتاحة والاكتفاء بعناوين عامة توحي بأن مواكبة ملف النزوح تتم بفعالية، بما يحدّ من مستوى الشفافية والقدرة على المحاسبة.

في المقابل، بدأت الجمعيات المحلية ترفع الصوت مطالِبة وزارة الشؤون الاجتماعية بمزيد من التدخل لتغطية احتياجات متزايدة باتت تقع على عاتق الجمعيات المحلية والمبادرات الفردية التي تؤكد أنها وصلت إلى مرحلة الاستنزاف، بالتوازي مع تراجع التبرعات والدعم.

الوزارة تعرقل المساعدات!

لا يزال توزيع المساعدات من قبل المنظمات والجمعيات خارج مراكز الإيواء خاضعاً لمرور إلزامي عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تصرّ على الاطّلاع على تفاصيل هذه المساعدات ومنح الموافقة المُسبقة عليها. وهو ما أدّى، ولا يزال، إلى تأخير وصول جزء من المساعدات، نتيجة الضغط الذي تفرضه هذه المركزية المفرطة على آلية الاستجابة.

هذا الواقع دفع بعض الجمعيات إلى «التجرؤ» على تجاوز التعقيدات الإدارية عبر التنسيق المباشر مع المحافظين ووحدات إدارة الكوارث في بعض المناطق، بهدف إيصال مساعدات عاجلة تسدّ بعض الاحتياجات، من دون انتظار مراسلات وزارة «الشؤون». كما دفع بعض البلديات إلى التواصل مباشرة مع جمعيات ومبادرات أهلية لطلب المساعدة في سدّ النقص المتزايد لديها.

وأدّى تعنّت «الشؤون»، في إحدى الحالات، إلى عرقلة إيصال وجبات جاهزة للأكل إلى الكوادر الطبية في مستشفيات منطقة النبطية، بعدما علمت الوزارة أن المساعدات في طريقها إليها من دون تنسيق مُسبق معها، ما تسبّب بتأخير وصولها ليومين.

السيّد ترفض المطابخ الجاهزة في مراكز الإيواء

عدد قليل من المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء جرى تجهيزه، من قبل منظّمات وجمعيات، بمطابخ تتيح للنازحين إعداد الطعام بأنفسهم، بالاعتماد على مواد أولية للطهو تؤمّنها جمعيات ومنظّمات ومبادرات أهلية.

وقد طُرح توسيع هذا النموذج أكثر من مرة على وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد من جهات مختلفة، إلا أنها أبدت تشدّداً في رفضه، مفضّلة الاستمرار في اعتماد توزيع الوجبات الساخنة أو الحصص الجاهزة للأكل.

ويستند طرح المطابخ إلى جملة اعتبارات، أبرزها تجنّب تكرار حالات التسمم التي أصابت أعداداً من النازحين سابقاً، سواء نتيجة صعوبة التأكد من التزام المطاعم التي تُعِدّ الوجبات بمعايير السلامة الغذائية، أو بسبب وصول الطعام إلى النازحين بعد ساعات طويلة من الطهو، ولا سيما مع بدء ارتفاع درجات الحرارة.

كما أن إفساح المجال أمام النازحين لإعداد طعامهم بشكل جماعي ومنظّم يمكن أن يترك أثراً نفسياً إيجابياً لديهم، إلى جانب مساهمته في خفض كلفة الوجبات الساخنة، التي تراوح سعر الواحدة منها بين 10 و12 دولاراً، والتي استنزفت، طوال فترة النزوح، ملايين الدولارات من الهيئات الأممية والمنظمات التي تولّت تمويلها، فيما كان يمكن توظيف هذه الأموال بطرق أكثر استدامة وفعالية.

وفي السياق نفسه، كان لافتاً حديث السيّد في أحد مؤتمراتها الصحافية الأخيرة عن توزيع «سبعة ملايين حصة غذائية». فيما المقصود فعلياً هو وجبات ساخنة وحصص جاهزة للأكل توزَّع داخل مراكز الإيواء، لا «حصص غذائية» بالمعنى المتعارف عليه، أي تلك التي تتضمّن موادَّ أولية للطهو تكفي الأسرة لأسبوعين أو أكثر.

«لوغو» الوزارة هو الأهم!

في اجتماع عُقد الأسبوع الماضي بين وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد وهيئات الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية والجمعيات الشريكة، طلبت السيّد وضع شعار وزارة الشؤون الاجتماعية على مختلف أنواع المساعدات التي تُوزَّع على النازحين، رغم أن هذه المساعدات مُموّلة أساساً من جهات مانحة خارجية، لا من موازنة الوزارة أو الحكومة اللبنانية.

معنى ما تطلبه السيّد، هو استغلال المساعدات الإنسانية المُموّلة خارجياً عبر الإيحاء للنازح بأنّ وزارة الشؤون هي من تموّل وتقدّم المساعدة وليس فقط تنسّقالعمل، للترويج لنفسها أولاً، وللحكومة التي تمثّلها برئاسة نواف سلام، في استغلال سياسي للأزمة الإنسانية.

ندى أيوب -الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا