ما بين 17 و25 أيار: هل يعيد التاريخ نفسه!؟
يرغب البعض بالبحث في الدفاتر العتيقة لتركيب جدول مقارنة بين أحداث تاريخية لا يخلو يوم من أيام العام منها، سعياً إلى ما يثلج صدره بوقائع مرّ عليها الزمن، بعدما تبدّلت الظروف التي قد يستنسخها التاريخ. وطالما أننا في ايام تفصل بين الذكرى الـ 43 لاتفاق 17 أيار والـ 26 للانسحاب الإسرائيلي في 25 منه، يمكن الإشارة إلى جملة من المفارقات التي تنفي الحاجة إلى ما يُحرج الراغبين بالمقارنة. وهذه عينة منها.
تلاقت مراجع سياسية وديبلوماسية في تعبير عن الاقتناع، بأنّ الربط الذي يجريه البعض هذه الأيام بين ما هو مطروح على مستوى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل على طاولة واشنطن، وما سبقها وما يمكن أن تقود اليه مع تلك المحطات العابرة، ولا سيما تلك التي رافقت رفض لبنان توقيع اتفاق 17 أيار 1983 ليس موفقاً. فلكل مرحلة من المراحل التي عبرتها الحروب العربية ـ الإسرائيلية منذ قيام الدولة العبرية عام 1948 ظروفها المختلفة، ولا سيما منها المتصلة بانعكاساتها الدائمة على لبنان من دون أن يعلن الحرب يوماً على عدوه، وفق الآلية التي يقول بها الدستور. ولكن ذلك لم يحل دون أن يدفع لبنان واللبنانيون تداعيات تلك الحروب جميعها، بكثير من النزيف السياسي والاقتصادي والعسكري، عدا عن نتائجها على البشر والحجر.
وفي تبريرها لهذه المعادلة التي لا تخضع لأي شكوك تاريخية غير سياسية، تصرّ هذه المراجع على رؤيتها الحيادية إلى تطورات لبنان والمنطقة. وهم يدركون انّ من يخالفهم الرأي تجمعهم لائحة ممن اعتنقوا «العقائد الثابتة» المبنية على مواقف مستنسخة من تواريخ سابقة لامسها «العفن السياسي»، ويصرّون على نبش التاريخ بحثاً عمّا يرضي نظريات أسقطتها التحولات الكبرى في المنطقة، وخصوصاً انّهم لم يعترفوا بعد بالمتغيّرات التي قلبت المنطقة رأساً على عقب، ولم يعد هناك أي مواجهة يمكن خوضها في ظل التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة في سوريا والعراق واليمن وغزة.
وإن عاد البعض إلى مرحلة سابقة، لا يمكنهم ان يتجاهلوا ما انتهت اليه المعاهدات التي نسجتها إسرائيل على مراحل، بدأت بتلك التي انتهت اليها الحرب الإسرائيلية ـ المصرية ـ السورية عام 73، بعد عبور مصر لما كان يسمّى «خط بارليف»، باستعادتها كل الصحراء ومنتجعاتها البحرية، وفيما تجاوب الاردن مع ما قالت به اتفاقية «وادي عربة» وملحقاتها، تخلّفت سوريا عن قبولها سلسلة من العروض في أكثر من محطة، على خلفية رفض الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إحداها، التي كانت تحفظ له «هضبة الجولان» بكاملها حتى الضفة الشرقية لبحيرة طبرية.
وبعد توقفها أمام هذه المحطات، تصرّ المراجع السياسية والديبلوماسية على القول لمن يرغب اليوم باستحضار اتفاقية 17 أيار، للدلالة إلى نهاية محتملة لمفاوضات واشنطن الأخيرة، بدعوته إلى التريث كثيراً، قبل إجراء أي مقاربة بين الاستحقاقين. فما هو مطروح اليوم محاط بظروف مختلفة. فما أسقط ذلك الاتفاق، لم يكن انتصاراً لمعارضيه فحسب، ذلك انّ رفض لبنان الرسمي في حينه توقيعه بعد إقراره في مجلس الوزراء ومجلس النواب على خلفية رفض الإدارة الأميركية منحه «كتاب ضمانات»، كان يصرّ عليه من باب حاجة لبنان إليه أكثر من الدولة العبرية. وهي أمور تلاقت مع ما أراده رافضو الإتفاق من لبنان ومن خلفهم في سوريا والمجموعات الفلسطينية الدائرة في فلكها، وإيران رغم بعدها عن الساحة الداخلية. كان ذلك قبل أن تقرّر طهران في تلك اللحظة إطلاق تجربتها الخاصة بالدخول إلى الساحة اللبنانية ومعها الساحات التي تطوّق إسرائيل، والتي قادت لاحقاً إلى وضع يدها على 5 عواصم في بداية العقد الثاني من القرن الجديد، والتي سمحت لها عبر أذرعها، بموطئ قدم على ضفاف المتوسط من ساحله الشرقي وبوابته الجنوبية من باب المندب والبحر الأحمر.
وإن طُلب مزيد من المؤشرات التي تُسقط أي ربط بين ما هو مطروح اليوم بعد «طاولة واشنطن 3» مع «اتفاق 17 ايار»، ترغب المراجع المعنية بتذكير هؤلاء، انّ من فوّت تجربة العام 2000 لا يمكنه الخوض في جدول المقارنة هذا. فما تحقق في 25 أيار من تلك السنة، قبل تعطيله على مراحل في حروب «تموز 2006» و«إسناد غزة 2023» و«إسناد إيران 2026»، كان إنجازاً يجب حمايته برموش العين ورفات القلب والعقل معاً. فقد تحقق في تلك اللحظة ما لم يكن متوقعاً في تاريخ المواجهات العربية ـ الإسرائيلية. ذلك انّ ما تبقّى من «أراضٍ محتلة» في حينه لا تعدو كونها «خلافات عقارية» كان يمكن تسويتها لولا وقوع لبنان في شرك «التناغم» غير المعلن بين إسرائيل والنظام السوري حول الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا. ولو لجأ لبنان إلى هيئة التحكيم الدولية في جنيف، لاستعاد عقاراته كما استعادت مصر مدينة طابا بالكامل في 19 آذار 1989.
عند هذه الدلائل والمؤشرات، تنتهي المراجع عينها لتؤكّد أهمية رعاية ما هو مطروح اليوم إن كان للبنان فرصة، قد لا تتكرّر مرّة أخرى لاستعادة حق مواطنيه في أرضه بأسرع وقت ممكن، بدل التحضير من اليوم لنسخة شبيهة بالقرار 194، الذي اعتمدته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 11 كانون الأول 1948، الأساس القانوني والرسمي الأبرز لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، لضمان عودة أهالي 68 قرية جنوبية إلى أرضهم، ومَن يَعش يرَ ذلك، وقد لا يراه إن نما العمى السياسي والوطني.
جورج شاهين - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|