الصحافة

لبنان يرفض الآلية العسكرية واللواء المزعوم

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يتأرجح الوضع في الخليج بين مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتضاربة لا بل المتناقضة. فمرّة يشير إلى ساعة واحدة كانت تفصلنا عن تجدد الحرب، ومرّة أخرى يسهب في الحديث عن احتمالات مرتفعة للتوصل إلى تسوية عبر المفاوضات. وما بين هذين الحدّين، حدّ الحرب وحدّ التسوية، يرتفع منسوب الغموض حيال الإتجاه الذي ستسلكه المنطقة، وخصوصاً لبنان، كونه الساحة التي تحتضن الجبهة الرديفة، والتي لا تزال مشتعلة، ولو تحت عنوان «الخروقات اليومية» لقرار وقف إطلاق النار.

لقد بات واضحاً أنّ كلا الطرفين الأميركي والإيراني يعملان على الرهان على عامل الوقت للي ذراع الآخر. فطهران التي اختبرت أهمية ورقة مضيق هرمز وتأثيرها على الإقتصاد العالمي، ما زالت تنتظر تفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية لتوظفها كعامل ضغط كبير على ترامب. وفي الوقت نفسه، هي تعمل على استهلاك الوقت الفاصل عن الإنتخابات النصفية، والرهان هنا على انتظار انتزاع المعارضة الديموقراطية للغالبية في الكونغرس. لكن إدارة ترامب، والتي سلّمت على ما يبدو بخسارة الحزب الجمهوري للإنتخابات النصفية، تعمل على حشد تحالف دولي في وجه إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.

في المقابل، تعمل واشنطن على إنهاك الواقع الإقتصادي والمعيشي داخل إيران من خلال التمسك بحصارها البحري. وهي إذ تقرّ بأنّ الحصار البحري الموجع قد لا يؤدي للنتائج المرجوة الآن، كون المجتمعات تتحمّل الصعوبات أثناء الحروب تحت عناوين وطنية وقومية، إلّا أنّها تؤسس لواقع خطير وشديد الحساسية بعد انتهاء المواجهات. فعندها سيبدأ الشارع بطرح الأسئلة حول الأزمات الإجتماعية والإقتصادية الناجمة عن الحرب، وسيؤدي غياب الأجوبة العملية إلى تصاعد المطالب الإجتماعية في موازاة تراجع مستوى التحمّل. وهو ما يعني تصاعد المعارضة في وجه السلطة الحاكمة واحتمال سقوط النظام السياسي القائم. والسلطة الإيرانية تدرك ذلك جيداً. لذلك تعمل على الإلتفاف على الحصار البحري القائم، عبر تفعيل 6 ممرات برّية وسكك حديد تربط البلاد بآسيا الوسطى ودول الجوار، إضافة إلى عمليات مقايضة النفط عبر تركمنستان وأذربيجان بالتنسيق مع الصين وروسيا.

ووفق ما تقدّم، فإنّه من البديهي الإستنتاج بأنّ واشنطن وطهران تخوضان اليوم ما يشبه «سباق الإرادات»، لمعرفة أي طرف سيتمكن من الصمود لفترة أطول.

وحدها إسرائيل تعيش أجواء تقول بأنّ نسبة عودة الحرب مرتفعة جداً، وإنّ التنسيق قائم بشكل كامل بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وهذا ما تعكسه معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية على تنوع توجّهاتها. وهذا المناخ الإسرائيلي يدفع لبنان إلى القلق من احتمال تجدد الحرب المفتوحة على أراضيه. والمسألة لا تكمن في العناوين التي ترفعها رسمياً إسرائيل، بل في الأهداف البعيدة المدى، والتي تتعلق «بالوجه الجديد للمنطقة» والذي ما برح نتنياهو يردّده. وهذا الحلم الإسرائيلي قد يعتقد نتنياهو أنّ الظروف الحربية تساعده في تحقيقه. فالإدارة المدنية في إسرائيل أجرت إستطلاعاً ظهر في نتيجته أنّ 80% من أهالي غزة أعربوا عن رغبتهم في الحصول على سبيل للخروج إلى دولة ثالثة. وهذه النتيجة تبدو منطقية، بسبب هول الأوضاع الكارثية والمعاناة التي يعيشها أهل غزة. في السابق كانت أدنى نسبة سعي للهجرة بين الشعوب العربية تُسجّل للفلسطينيين، وهو ما كان يؤرق الإسرائيليين الذين كانوا يعيشون هاجسين: هاجس غزة وهاجس الإزدواجية القومية داخل الكيان الإسرائيلي. وتأتي نتائج الحرب لتؤشر إلى وجود توق فلسطيني للهجرة هرباً من الأوضاع المعيشية المزرية وفقدان مقومات العيش الكريم. وهو حلم إسرائيلي أول يتحقق.

وفي سوريا، يُسجّل تفاقم الأزمة الإقتصادية والمعيشية، في وقت لم تنجح السلطات السورية في تمتين ركائزها بعد، وسط صعوبات شتى. وفي وقت تزداد حالات الإبتعاد عن الدولة المركزية كما هو حاصل في السويداء وحتى شمالاً مع الأكراد، فإنّ علاقة دمشق مع واشنطن تشهد جموداً مع خشية من تراجع حرارتها لاحقاً. وقد يكون أمام السلطة السورية فترة لا تتجاوز العامين لإعادة تنشيط خطوطها مع واشنطن، وسط قلق من تنامي نفوذ المقاتلين الأجانب وعودة نشاط «داعش»، ما يهدّد الإستقرار الأمني الهش القائم. أضف إلى ذلك، غياب المساعدات المالية والإقتصادية الخارجية، خصوصاً أنّ الحرب الدائرة في الخليج أدّت إلى تعقيد برنامج الدعم والذي كان تمّ إقراره سابقاً.

تبقى الساحة اللبنانية والتي تعيش تحت وطأة «الحروب الصغيرة» اليومية التي تشنّها إسرائيل. وكي لا نخطئ في القراءة، فإنّ ما تقوم به إسرائيل لا يدخل فقط في إطار المواجهة الأمنية البحتة مع «حزب الله»، بل يدخل أيضاً في إطار ترتيب جغرافية المنطقة وفق التصور الإسرائيلي. من هنا عمليات الجرف والهدم ورسم الخطوط، وحيث تشير العمليات إلى نية إسرائيل التوجّه إلى قلعة الشقيف لمحاولة السيطرة عليها.

وسط هذه الأجواء، رعت إدارة ترامب انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، واللافت فيها كانت الدعوة إلى مفاوضات عسكرية مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية.

في العام 1948 جرت مفاوضات عسكرية مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة، وانتهت بتوقيع اتفاق الهدنة في رأس الناقورة. وهو كان أول اتفاق رسمي بين الدولتين. وفي حين يذهب لبنان إلى هذا الإتفاق وهو يطمح بالعودة إلى «اتفاق هدنة» معدّل وفق ما تقتضيه المتغيّرات، فإنّ الأهداف الأميركية والإسرائيلية تبدو مختلفة كلياً.

فواشنطن تريد اختبار قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالقرار الأمني، وما إذا كانت قادرة على فرض ترتيبات أمنية؟ وإنّ الجيش اللبناني قادر على الإمساك كلياً بالقرار الأمني والعسكري في الجنوب؟ وما هو هامش تأثير «حزب الله» على القرارين الأمني والعسكري؟

وفي المقابل، يحاول لبنان الذهاب إلى الإجتماع من دون الظهور وكأنّه دخل في «تطبيع عسكري» مباشر مع إسرائيل. لذلك خرجت تسريبات تنفي أي وجود لحديث عن تعاون عسكري مباشر، وتصفه بغير الواقعي. ما يعني أنّ الوفد العسكري اللبناني سيذهب بورقة احتواء التصعيد أكثر منه الذهاب إلى تفاوض سياسي شامل. وتمّ اختيار أعضاء الوفد العسكري الستة، موزعين على اختصاصات عدة وهي: المخابرات والهندسة والعمليات والشؤون الجغرافية والقانونية واللوجستية. ولم يتبلّغ الوفد اللبناني مسبقاً بوجود نية لإنشاء آلية تواصل مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، ولا بإنشاء لواء داخل الجيش تعمل واشنطن على تدريبه وتسليحه للإمساك بالأمن جنوباً. لكن الوفد اللبناني سيرفض هذين الطرحين في حال تمّ إدراجهما في جلسة المفاوضات المقرّرة في البنتاغون. ويحضّر الوفد ملفاته للتقدّم بطرح بديل، ركيزته الخطة الأمنية التي كان تقدّم بها الجيش وأقرّها مجلس الوزراء في الخامس من أيلول مع إدخال تعديلات عليها بما يتلاءم والمستجدات الحاصلة. وقبل ذلك سيطلب الوفد العسكري اللبناني تثبيت وقف إطلاق النار كلياً.

وخلال اليوم الأول من جلسة المفاوضات المباشرة والتي عُقدت في وزارة الخارجية الأميركية، ألحّ الوفد اللبناني على طلبه بتثبيت وقف إطلاق النار. لكن رئيس الوفد الإسرائيلي قال إنّ ليست إسرائيل من يخرق قرار وقف النار بل «حزب الله» الذي يستغل هدوء الجبهات، ليقوم بتعزيز مواقعه ونقل الذخائر والأسلحة وإعادة بناء قوته، وهو ما يؤسس لمعركة جديدة. غالب الظن أنّ الوفد العسكري الإسرائيلي سيبني مطالعته على هذه الرواية لينطلق منها ويشير إلى عدم اكتمال مهمّة الجيش جنوب الليطاني، ما يستوجب من ناحية، تنسيقاً أمنياً وعسكرياً مباشراً من خلال آلية يجري تحقيقها، إضافة إلى إنشاء قوة عسكرية مدروسة ومدرّبة ومسلّحة جيداً، وأن تتولّى هي تأمين الواقع الأمني. لكن لبنان سيرفض الطرحين، وعلى اعتبار أنّ لا أحد يحق له التطرّق إلى الواقع الداخلي للجيش سوى قيادة الجيش. وفي المقابل، فإنّ لبنان مستعد لتحمّل مسؤولياته الأمنية وفق خطة واضحة الأهداف ووفق برنامج زمني، ولو تطلّب الأمر بعض الوقت.

ما يعني أنّ الطرح اللبناني سيتضمن نقاطاً عدة، ترتكز أولاً على تثبيت وقف النار ومنع الإنزلاق إلى حرب واسعة عبر آلية مراقبة أو تنسيق أمني غير مباشر، والاستعداد لتعزيز دور الجيش جنوباً عبر تفعيل انتشاره. لكنه سيطلب ضمانات أميركية حول وقف الخروقات الإسرائيلية، والمساعدة في دعم الجيش، وكذلك إعادة تفعيل آليات القرار 1701 بطريقة معدّلة. وحجة السلطة اللبنانية، أنّ منح الدولة مساحة للتحرّك يبقى أفضل من دفع لبنان نحو انهيار أوسع، قادر «حزب الله» على استغلاله لتعزيز نفوذه.

ووفق ما سبق، فإنّ التباعد في المواقف يبدو جلياً. لكن تداعيات «مفاوضات البنتاغون» تحمل مخاطر داخلية كبيرة وأكثر تعقيداً وخطورة مما تبدو عليه الأوضاع، وقياساً بما تمرّ فيه المنطقة. فإذا ظهر وجود تنازل أمني أو سياسي، فهنالك خطر الإرتداد داخلياً لتتحول عاصفة كبيرة. وإذا فشلت، فقد تعود احتمالات التصعيد العسكري الواسع بسرعة. لذلك، هي مفاوضات أشبه باختبار نيات، في وقت يراهن نتنياهو على التأسيس لخريطة جديدة في المنطقة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا