بعد إنذارات الشمال... إسرائيل تكشف تفاصيل هجوم لحزب الله بالمسيّرات والصواريخ
اخبار مفبركة لضرب القضية… هل تكرر الدولة مع الحبتور خطيئة الخليوي عام 2001؟
تعود إلى الواجهة مجددًا المخاوف من دخول الدولة اللبنانية في واحدة من أكبر الدعاوى التحكيمية الدولية في تاريخها، مع تصاعد قضية مجموعة “الحبتور” ضد الجمهورية اللبنانية، في وقت لا تزال فيه تداعيات خسائر الدولة السابقة في ملفات التحكيم، وخصوصًا في قطاع الخليوي، حاضرة في الذاكرة السياسية والمالية اللبنانية.
فالسوابق القضائية الدولية تُظهر أن الدولة اللبنانية سبق أن دفعت أثمانًا باهظة نتيجة قرارات تعسفية أو مخالفة لالتزاماتها التعاقدية والاستثمارية، وأبرزها قضية شركتي “Cellis” و”LibanCell” بعد فسخ عقود الـBOT عام 2001.
وفي قضية France Telecom / Cellis، طالبت الشركة بتعويضات قاربت 952 مليون دولار، قبل أن يصدر حكم تحكيمي دولي لمصلحتها بقيمة تقارب 266 مليون دولار، ثُبّت لاحقًا أمام القضاء السويسري. أما في قضية LibanCell، فقد أُدينت الدولة اللبنانية بدفع نحو 265 مليون دولار إضافية بسبب إنهاء العقد قبل انتهاء مدته، في واحدة من أكبر خسائر الدولة في التحكيم الدولي.
ورغم التوصل لاحقًا إلى تسويات خفّضت جزءًا من المبالغ، إلا أن أصل الإدانة بقي قائمًا، وتحول إلى نموذج يُستشهد به في كل نزاع استثماري دولي يتعلق بلبنان.
اليوم، تعود هذه المقارنة بقوة مع ملف مجموعة “الحبتور”، لكن الفارق الأساسي، بحسب مصادر قانونية مطّلعة، أن القضية الحالية “ليست قضية ودائع مصرفية كما يحاول البعض تصويرها”، بل نزاع استثماري دولي واسع قد تتجاوز تداعياته كل الملفات السابقة.
وتوضح المعطيات أن بعض التغطيات الإعلامية اختزلت الملف بمبلغ يقارب 44 مليون دولار عالق في المصارف اللبنانية، في حين أن جوهر الدعوى، وفق الطرح القانوني لمجموعة الحبتور، يتعلق بخسارة استثمار متكامل امتد لعقود داخل لبنان، وتضرر نتيجة الانهيار المالي والإداري والمؤسساتي الذي أصاب البلاد.
وبحسب المعلومات المتداولة في الأوساط القانونية والاستثمارية، فإن المطالبة التي تُقدّر بحوالى 1.7 مليار دولار تشمل فنادق ومشاريع عقارية ومرافق ترفيهية ومراكز تجارية وأصولًا تشغيلية وحقوقًا مالية مرتبطة بمنظومة استثمارية متكاملة بنتها المجموعة في لبنان على مدى سنوات طويلة.
وتعتبر المجموعة أن الأضرار لم تنتج عن واقعة منفردة، بل عن “مسار طويل من الإخفاقات” المنسوبة إلى الدولة اللبنانية، من انهيار النظام المالي والقيود على التحويلات، إلى تدهور بيئة الاستثمار، وانهيار الخدمات والبنية التحتية، إضافة إلى التداعيات المباشرة وغير المباشرة لانفجار مرفأ بيروت، وما رافقه من استحالة الاستمرار في بيئة غير مستقرة.
ولم يعد الحديث هنا عن نزاع تجاري محدود، بل عن ملف تحكيم استثماري سيادي قد يتحول إلى سابقة خطيرة في تاريخ لبنان المالي والقانوني، خصوصًا أن الدعوى تستند إلى اتفاقية حماية الاستثمار الموقعة بين لبنان والإمارات العربية المتحدة عام 1998، والتي تمنح المستثمرين الأجانب حق اللجوء المباشر إلى “المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار” (ICSID)، أحد أخطر أذرع التحكيم التابعة للبنك الدولي.
وتكمن خطورة هذا النوع من القضايا في أن أحكام ICSID لا تُعامل كأحكام أجنبية عادية، بل تتمتع بآليات تنفيذ دولية واسعة، ما يعني أن أي حكم نهائي قد يفتح الباب أمام ملاحقة أصول أو مصالح مرتبطة بالدولة اللبنانية في الخارج، أو على الأقل فرض ضغوط مالية وسياسية وقانونية طويلة الأمد على لبنان.
الأخطر أن الدولة اللبنانية تدخل هذه المواجهة وهي مثقلة بسجل سابق من الخسائر التحكيمية المكلفة. فسوابق الخليوي لا تزال حاضرة في ذاكرة المؤسسات المالية والقانونية الدولية، وقد تحولت إلى مادة تُدرّس كنموذج عن سوء إدارة النزاعات الاستثمارية من قبل الدول.
وفي موازاة ذلك، استعانت الدولة اللبنانية بالمحامي اللبناني رائد فتح الله الذي يدير فريق التحكيم الدولي في مكتب المحاماة الفرنسي “Bredin Prat”، فيما تعتبر مصادر قانونية متابعة أن المكتب يُعد عمليًا من أبرز المستفيدين من فتح هذا الملف المعقد والمتشعب ماليًا وقانونيًا، سواء من الناحية الإعلامية أو من ناحية الأتعاب التي يُتوقع أن ترتفع تدريجيًا مع تطور النزاع واتساعه دوليًا.
وتلفت هذه المصادر إلى أن الدولة اللبنانية اختارت دخول مسار قانوني دولي بالغ الخطورة والكلفة، بدل الدفع نحو تسوية مبكرة أو معالجة سياسية وقانونية قد تحدّ من حجم الخسائر المحتملة، خصوصًا أن الملف، وفق تقديرات قانونية ومالية متعددة، يبدو شديد التعقيد بالنسبة للدولة اللبنانية في ظل الانهيار المالي القائم، وسوابق القيود المصرفية، واتفاقية حماية الاستثمار الموقعة مع الإمارات.
وبحسب هذه المقاربة، كان يفترض بفريق الدفاع القانوني، منذ المراحل الأولى، تقديم مشورة ترتكز على احتواء المخاطر وتخفيف الأضرار والسعي إلى تسوية عقلانية، بدل الانزلاق نحو مواجهة تحكيمية مفتوحة قد تتحول إلى كرة نار مالية وسياسية وقضائية يصعب التحكم بنتائجها لاحقًا.
في المقابل، أوكل الحبتور الملف إلى مكتب White & Case LLP الأميركي ـ البريطاني، أحد أشرس مكاتب المحاماة الدولية في النزاعات السيادية والتحكيم الاستثماري. وفي عالم التحكيم، فإن دخول White & Case إلى أي ملف يعني أن القضية تجاوزت إطار الضغط الإعلامي أو السياسي، وتحولت إلى معركة قانونية هجومية تستخدم فيها كل أدوات الملاحقة والتنفيذ الدولي.
ووفق متابعين، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قيمة التعويضات المحتملة، بل في الرسالة التي يبعثها هذا الملف إلى العالم الخارجي: مستثمر خليجي ضخم دخل لبنان منذ التسعينات، واستثمر في فنادقه وسياحته وعقاراته، وانسحب اليوم متجهًا إلى “محكمة العالم” لمقاضاة الدولة التي كانت يومًا تروّج نفسها كواحة للاستثمارات العربية.
كما أن أي إدانة محتملة للبنان قد تشكل سابقة يستخدمها مستثمرون أجانب آخرون، أو صناديق استثمار وشركات خليجية ودولية تعتبر نفسها متضررة من القيود المصرفية والانهيار المالي منذ عام 2019، ما قد يفتح الباب أمام سلسلة دعاوى مماثلة يصعب على الدولة اللبنانية احتواؤها ماليًا وسياسيًا.
وفي ظل هذا المشهد، يرى مراقبون أن لبنان لا يواجه اليوم مجرد دعوى مالية، بل أزمة ثقة وجودية مع المستثمرين العرب والأجانب. فالدول لا تُقاس فقط بحجم ديونها أو انهياراتها المالية، بل بقدرتها على حماية الاستثمارات واحترام التزاماتها القانونية الدولية.
وفي النهاية، قد يربح لبنان القضية أو يخسرها. لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها أن الدولة خسرت بالفعل جزءًا كبيرًا من صورتها الدولية يوم تحوّل مستثمر عربي بحجم خلف الحبتور من شريك اقتصادي إلى خصم دولي يضع لبنان في قفص الاتهام أمام العالم.
وليد خوري - ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|