ضيافة الحجاج في دمشق... الملبّس الشامي وراحة الحجاج يتصدران البزورية قبل العيد
في كل موسم حج، تعود أسواق دمشق القديمة لتروي حكاية الضيافة السورية بطريقتها الخاصة، لكن المشهد هذا العام يبدو مختلفاً قليلاً في سوق البزورية، حيث انقسمت العائلات السورية بين الاستعداد لاستقبال الحجاج العائدين من الديار المقدسة، والتحضير لعيد الأضحى المبارك، فيما بقي القاسم المشترك واحداً: الضيافة الدمشقية الأصيلة التي تبدأ من رائحة القهوة العربية ولا تنتهي عند الملبّس الشامي وراحة الحجاج. ضيافة الحجاج في دمشق (إكس).
وفي أزقة البزورية العتيقة، تصطف محال الحلويات والمكسرات المزينة بألوان الفرح، فيما تعلو أصوات الباعة وهم يجهزون علب الضيافة وصواني الاستقبال، وكأن دمشق كلها تستعد لقول "حج مبرور وسعي مشكور" بطريقتها الخاصة. فالحجاج، في الثقافة الشامية، لا يعودون وحدهم، بل يعود معهم الفرح والبركة والزيارات العائلية التي لا تكتمل من دون طبق الملبّس الشهير.
ضيافة الحجاج في دمشق (إكس).
البزورية تستعيد طقوس الضيافة الدمشقية
مع اقتراب عيد الأضحى وعودة الحجاج، تشهد أسواق دمشق حركة استثنائية، وخصوصاً سوق البزورية الذي يُعتبر قلب الضيافة الشامية التقليدية. فالعائلات السورية تتنافس على تجهيز أفضل أنواع الحلوى والمكسرات لاستقبال ضيوف الرحمن، فيما تعود الطقوس القديمة لتفرض حضورها من جديد، من صواني الضيافة المزخرفة إلى علب الملبّس وراحة الحجاج التي لا تغيب عن أي بيت دمشقي.
ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، لا تزال كثير من العائلات تحرص على الحفاظ على هذه العادات، باعتبارها جزءاً من الهوية الاجتماعية والذاكرة الدمشقية المرتبطة بالحج والأعياد والزيارات العائلية.
ضيافة الحجاج في دمشق (إكس).
عائلة نزار قباني... حكاية الملبّس الدمشقي
لا يمكن الحديث عن الملبّس الشامي من دون المرور باسم عائلة نزار قباني. فالعائلة الدمشقية التي قدّمت للعالم قصائد الحب والياسمين، تركت أيضاً أثراً آخر لا يقل حلاوة في ذاكرة السوريين.
ويُعتبر توفيق قباني، والد الشاعر نزار قباني، من أوائل من أدخلوا صناعة الملبّس الحديثة إلى دمشق، بعدما تعلّم أصول المهنة خارج سوريا، قبل أن يؤسس أول معمل للملبّس بين البزورية ومئذنة الشحم، ليصبح لاحقاً واحداً من أشهر الأسماء المرتبطة بهذه الحرفة الدمشقية العريقة.
ضيافة الحجاج في دمشق (إكس).
وكان إعداد الملبّس في تلك الأيام يحتاج إلى جهد وصبر كبيرين، إذ كانت الصواني النحاسية العملاقة توضع فوق النار لساعات طويلة، وتحتاج إلى عدة رجال لتحريكها وتقليبها بسبب حجمها ووزنها الثقيل، فيما تُسكب طبقات القطر والسكر المذاب تدريجياً فوق حبات اللوز، حتى تتغطى كل حبّة بطبقة متناسقة وناعمة من السكر الأبيض اللامع.
ولم تكن صناعة الملبّس مجرد مهنة عادية، بل حرفة دقيقة تحتاج إلى خبرة طويلة في التحكم بدرجات الحرارة وسماكة السكر وطريقة التقليب، لذلك بقي الملبّس الدمشقي رمزاً للضيافة الفاخرة في مواسم الحج والأعياد والأعراس حتى اليوم.
ضيافة الحجاج في دمشق (إكس).
"كلما خفّ السكر ارتفع السعر"... أسرار الملبّس وراحة الحجاج
ورغم ارتفاع الأسعار هذا العام، لا يزال السوريون يعتبرون الملبّس جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في ضيافة الحج والعيد، حتى لو اختلفت الأنواع بحسب القدرة الشرائية.
ويبدأ سعر كيلو "الملبّس الغبرة" ذو الطبقة الرقيقة جداً من السكر من نحو 80 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 8 دولارات، بينما يصل سعر "غبرة الغبرة" الأكثر نعومة إلى 90 ألف ليرة سورية، أي نحو 9 دولارات.
أما نوع "القشرة"، الذي تكون فيه طبقة السكر أكثر سماكة قليلاً، فيبلغ سعره نحو 70 ألف ليرة سورية، أي قرابة 7 دولارات، فيما يُعتبر "السوبر" الأكثر امتلاءً بالسكر والأقل سعراً، إذ يصل إلى 60 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 6 دولارات تقريباً.
ويؤكد أصحاب المحال في البزورية أن القاعدة الذهبية في عالم الملبّس تقول: "كلما خفّ السكر ارتفع السعر"، لأن جودة اللوز والطريقة الدقيقة في التلبيس تحتاجان إلى مهارة وصبر أكبر.
أما "راحة الحجاج"، الحلوى الأشهر في موسم العودة من الحج، فلا تزال تتصدر واجهات المحال الدمشقية رغم سعرها المرتفع نسبياً هذا العام، إذ وصل سعر الكيلو إلى نحو 320 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 32 دولاراً.
ورغم ذلك، لا تزال العائلات السورية تُقبل عليها بكثرة، باعتبارها جزءاً من تقاليد استقبال ضيوف الرحمن، الذين ينتظرهم الأهل والأقارب بموائد عامرة بالمحبة قبل الحلويات.
ففي دمشق ، لا تُقاس الضيافة بالسعر فقط، بل بالقيمة المعنوية التي تحملها تلك الأصناف الموروثة منذ عشرات السنين، والتي تحولت إلى ذاكرة جماعية مرتبطة بالحج والعيد والفرح العائلي.
وفي الأيام الأخيرة التي تسبق عيد الأضحى، تنشغل الأيدي بتجهيز علب الحلوى وصواني الضيافة، وتختلط رائحة السكر المحمّص بمشاعر الشوق والفرح، استعداداً لاستقبال الحجاج وتهنئة الأحبة بالعيد.
"حج مبرور وسعي مشكور"... عبارة تتكرر في البيوت والأسواق الدمشقية، فيما تحاول المدينة، رغم كل الظروف، الحفاظ على طقوسها القديمة وذاكرتها الاجتماعية التي لا تزال تنبض في البزورية وأحيائها العتيقة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|