سامي الجميل من السراي: لا أحد يمكنه أن يوقف مسار استعادة سيادة الدولة
من اتفاق معراب إلى الانهيار الكبير
منذ عام 1988، حين دخل العماد ميشال عون قصر بعبدا رافعًا شعاري "التحرير" و"استعادة السيادة"، صدّق قسم كبير من المسيحيين واللبنانيين أن الرجل يحمل مشروع الدولة القوية، وأن معركته ليست معركة سلطة، بل معركة وطن.
لأكثر من ثلاثة عقود، بُنيت صورة ميشال عون على أنه القائد الذي يواجه الوصاية والسلاح غير الشرعي، ويرفض أي قوة تتجاوز الدولة اللبنانية.
لكن المفارقة التي لن يرحمها التاريخ أن الرجل نفسه، الذي خاض حربًا سياسية وشعبية ضد الوصاية السورية وضد أي سلاح خارج الدولة، عاد لاحقًا ليمنح أكبر غطاء سياسي ومسيحي لسلاح "حزب الله" عبر "تفاهم مار مخايل" عام 2006.
ذلك الاتفاق لم يكن مجرد تفاهم سياسي عابر، بل شكّل نقطة التحول الأخطر في الحياة السياسية اللبنانية.
لأن "حزب الله"، الذي كان يواجه اعتراضًا وطنيًا واسعًا على سلاحه ودوره الأمني والعسكري، حصل فجأة على ما كان يحتاج إليه أكثر من أي قوة عسكرية: الشرعية المسيحية.
وهنا بدأت الكارثة الفعلية.
فمنذ توقيع "تفاهم مار مخايل"، تحوّل "التيار الوطني الحر" من حركة رفعت شعار السيادة إلى شريك سياسي في تغطية مشروع يتجاوز الدولة والدستور والمؤسسات.
كل ما شهده لبنان لاحقًا من تمدد لنفوذ "حزب الله"، جرى تحت هذا الغطاء:
المعابر غير الشرعية، اقتصاد التهريب، تعطيل المؤسسات، فرض موازين القوى بالقوة، إدخال لبنان في صراعات إقليمية، وعزل لبنان تدريجيًا عن محيطه العربي والعالم.
والأخطر أن القوى المسيحية دفعت ثمنًا وطنيًا وسياسيًا كبيرًا لهذا الخيار.
لأن المسيحيين الذين حلموا بقيام دولة فعلية، وجدوا أنفسهم مع الوقت أمام دولة مخطوفة، عاجزة، وفاقدة للقرار والسيادة.
ثم جاء "تفاهم معراب" عام 2016 مع الدكتور سمير جعجع كفرصة أخيرة لإعادة التوازن الوطني والمسيحي، وإعادة وضع مشروع الدولة فوق أي اعتبار آخر.
سمير جعجع قدّم يومها تنازلا سياسيًا كبيرًا دعمًا لوصول ميشال عون إلى الرئاسة، على أمل أن يشكّل العهد محطة لاستعادة الدولة والمؤسسات.
لكن ما حصل كان العكس تمامًا. فور وصوله إلى بعبدا، كرّس ميشال عون تحالفه مع "حزب الله" أكثر فأكثر، وتحولت الرئاسة تدريجيًا إلى غطاء سياسي لمحور إقليمي يتجاوز الدولة اللبنانية.
وفي الداخل، بدأ الانهيار الكبير.
العهد الذي وعد اللبنانيين بالإصلاح ومحاربة الفساد، تحوّل إلى عهد صفقات ومحاصصة وتفكيك ممنهج لمؤسسات الدولة.
الوزارات والإدارات تحولت إلى مراكز نفوذ حزبي. التعيينات خضعت للمحسوبيات. والمال العام استُنزف وسط غياب أي محاسبة فعلية.
أما ملف الكهرباء، الذي قُدّم لسنوات كعنوان للإصلاح، فتحوّل إلى واحدة من أكبر فضائح الهدر في تاريخ لبنان، بعدما صُرفت مليارات الدولارات، فيما بقي اللبنانيون يعيشون في العتمة.
ثم جاءت الكارثة المالية.
في عهد ميشال عون، انهارت الليرة اللبنانية بشكل غير مسبوق، وتبخرت ودائع الناس، وضاعت أعمار اللبنانيين داخل المصارف، فيما كانت السلطة تتقاذف المسؤوليات بلا أي خطة إنقاذ حقيقية.
ولم يعد الحديث فقط عن فشل سياسي، بل عن مسؤولية مباشرة في تغطية منظومة فساد وسرقة مال عام أوصلت لبنان إلى الإفلاس الكامل.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليكشف عمق الانهيار الأخلاقي والسياسي للدولة.
عاصمة مدمرة، مئات الضحايا، آلاف الجرحى، وسلطة عاجزة عن كشف الحقيقة أو محاسبة المسؤولين.
وفي موازاة الانهيار الداخلي، دخل لبنان في عزلة عربية ودولية غير مسبوقة.
الدول الخليجية التي شكّلت لعقود الرئة الاقتصادية والسياسية للبنان، ابتعدت تدريجيًا عن بلد بات يُنظر إليه كدولة واقعة بالكامل تحت نفوذ "حزب الله" والمحور الإيراني، فيما كان العهد يلتزم الصمت أو يكتفي بتبرير الواقع القائم.
أما "التيار الوطني"، فانتقل من خطاب "السيادة والإصلاح" إلى سياسة الانقلابات المتكررة بحسب موازين القوى.
حين تضعف قوة "حزب الله" ترتفع نبرة الاعتراض، وحين يستعيد نفوذه يعود الخطاب التصالحي سريعًا.
وهذا ما ظهر مجددًا في مواقف جبران باسيل الأخيرة، وخصوصًا عبر مقابلاته الإعلامية التي عاد فيها إلى الدفاع عن "المقاومة" ورفض أي مواجهة مع سلاح "حزب الله"، رغم كل ما أوصل إليه هذا المسار من انهيار وعزلة وانقسام داخلي.
وهنا تحديدًا تكمن المأساة الكبرى.
لأن ميشال عون لم يسقط فقط كرئيس جمهورية، بل أسقط معه صورة المشروع الذي وعد المسيحيين بقيام دولة قوية.
الرجل الذي دخل الحياة السياسية بشعار السيادة، خرج منها بعدما منح أخطر غطاء مسيحي لسلاح خارج الشرعية، وغطّى منظومة صفقات وفساد وانهيار أوصلت لبنان إلى أسوأ أزمة مالية وسياسية وسيادية في تاريخه الحديث.
التاريخ قد يسامح الفشل… لكنه لا يسامح من منح الشرعية لانهيار الدولة.
العميد المتقاعد جوني خلف-نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|