محليات

خفايا العقوبات على ميزانية الحزب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتلازمُ اليومَ فوق جغرافيا "حزب الله" جبهتان متزامنتان لا تقلُّ إحداهما شراسة عن الأخرى. ففي الوقت الذي يلملم فيه الحزب خسائره الميدانية في ظل المواجهة المستمرة مع إسرائيل، يجد نفسه غارقاً في مستنقع تداعياتٍ اقتصادية قاسية، تغذيها حزم العقوبات الأميركية والدولية المتصاعدة التي تستهدف، شبكات تمويله وبيئته الحاضنة. ولم يعد هذا المشهد مجرد حرب تقليدية محكومة بتبادل النيران، بل تحوّل إلى "معركة صامتة" قوامها تجفيف المنابع المالية، وتفكيك معالم "الدولة العميقة" التي أرساها الحزب داخل مفاصل المؤسسات اللبنانية الرسمية على مدى عقود.

تباعاً لهذا المسار، تُجمع مصادر أميركية مطلعة على أن الحزمة الاخيرة من العقوبات ليست سوى أول الغيث في سلسلة عقوبات متلاحقة، هدفها تقييد وملاحقة كل من يدور في فلك "الدولة العميقة" الخاضعة لنفوذ الحزب. وتكشف المعطيات عن أن القوائم المرتقبة لن تكتفي بالرموز السياسية والحزبية للثنائي الشيعي، بل ستتجاوزها لتستهدف مقاولين، ورجال أعمال، وقطاعات حيوية مرتبطة بالصحة والاستشفاء والتجارة. والغاية الأساسية هنا هي تقويض الظهير المدني المحيط بالحزب، وضرب قنوات التمويل غير المباشرة.

تاريخياً، يُظهر الجرد الرقمي أن الكيانات والأفراد اللبنانيين المدرجين على لوائح العقوبات الأميركية قد لامسوا عتبة الـ 273 حتى آب 2023، من بينهم أكثر من مئتين على صلة وثيقة بالحزب. وقد تعمّدت واشنطن توسيع هذا النطاق ليتحول إلى مطاردة عابرة للقارات. ففي نيسان 2023، جرى التفكيك الممنهج لشبكة دولية شملت 52 فرداً وكياناً موزعين على تسع

دول، للاشتباه بتمويلها الحزب عبر تجارة الماس والأعمال الفنية، تبعها في آذار 2025 إدراج شركات ومجموعات تجارية. ولم يعد هذا الإدراج مجرد إجراء رمزي أو ورقة ضغط سياسي. فالوقوع في مصيدة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) يعني حتماً تجميداً فورياً للأصول، وحظراً شاملاً للتعامل بالدولار، وعزلاً تاماً عن النظام المصرفي العالمي. إزاء هذا الواقع، تتبنى المصارف اللبنانية أقصى درجات التشدد والحيطة، مدفوعةً بالخشية من "العقوبات الثانوية" التي قد تصيب أي مؤسسة مالية تتعامل مع الأسماء المدرجة، ولو عن غير قصد.

على المقلب الموازي، يترجم التنسيق بين الحكومتين اللبنانية والأميركية على شكل إجراءات داخلية صارمة لتضييق الخناق على المنظمات الرديفة للحزب المرتبطة بشبكات خارجية، ولا سيما في القارة الأفريقية. هذا التناغم الإداري تجلّى في خطوتين بنيويتين: الاولى: صدور التعميم 170 عن مصرف لبنان، والذي يحظر بموجبه التعامل مع الكيانات غير المرخصة مثل جمعية القرض الحسن وشركة التسهيلات. والثانية: القرار الشهير قبل أشهر لوزارة العدل قضى بمنع كتّاب العدل من إجراء أي معاملات قانونية أو تجارية لصالح الأشخاص المدرجين على قوائم العقوبات بهدف الحد من المخاطر المالية وحماية لبنان من شبح العزلة الدولية.

تذهب التقديرات الأميركية إلى أن الحزب يدير موازنة سنوية تقارب المليار دولار، تتدفق من الدعم الإيراني المباشر، وشبكات غسل الأموال الدولية، والأنشطة العابرة للحدود. وفي السياق نفسه، كشف تقرير لوزارة المالية الكندية عن استغلال الحزب لقطاعات الخدمات المالية، والجمعيات الخيرية، والعملات المشفرة. إلا أن مسارات هذا الاقتصاد الرديف غدت أكثر تعقيداً، فالغارات الإسرائيلية ركّزت على تدمير فروع ومخازن "القرض الحسن"، في حين اتخذت السلطات اللبنانية تدابير سيادية منعت

بموجبها هبوط الطائرات الإيرانية، وصرفت موظفين للاشتباه في انتمائهم للحزب.

بينما يرى المقربون من الحزب في هذا الحصار المالي "حرباً اقتصادية شاملة على لبنان" لابتزازه سياسياً، تنظر واشنطن إلى الإجراءات كخطة جراحية لتطويق البيئة الاقتصادية والاجتماعية للحزب، وجعل أي تقاطع معه مغامرة محفوفة بالمخاطر. ومع الاقتراب التدريجي للاستحقاق الانتخابي، يبرز التوجس من قدرة هذه العقوبات على صياغة التحالفات السياسية واختيار المرشحين في الدوائر الانتخابية المختلطة.

اليوم تحولت العقوبات الدولية إلى كماشة مزدوجة الفكين. تضرب مفاصل التمويل من جهة، وتزرع الهواجس في أوساط رجال الأعمال والمغتربين من جهة أخرى. وبينما تترقب بيروت صدور قوائم جديدة، يبدو واضحاً أن الأزمة المالية الراهنة للحزب تتجاوز مفهوم الضائقة المؤقتة لتلامس تحدياً وجودياً، يضع بنية الحزب وقاعدته الشعبية أمام خيارات صعبة، ويمثل في الوقت عينه اختباراً للحكومة اللبنانية المطالبة بالامتثال التام لمعايير مكافحة تبييض الأموال.

علاء الخوري

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا