ما هو أخطر من اجتياح 1982.. ماذا تُحضّر إسرائيل للبنان؟
في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل على لبنان، والتهديدات المتزايدة بتوسيع رقعة العمليات العسكرية لتشمل مناطق جديدة في الجنوب، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، تتزايد المخاوف من دخول المواجهة مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً. ويؤكد مصدر أمني مطلع لـ "ليبانون ديبايت" أن الوضع اليوم يكاد يكون أكثر خطورة من اجتياح عام 1982، موضحاً أن إسرائيل تمكنت آنذاك من الوصول إلى بيروت، فيما بقيت غالبية قرى الجنوب مأهولة بسكانها، في حين أن ما يجري اليوم يقوم على تفريغ مساحات واسعة من القرى والبلدات الجنوبية ومنع الأهالي من العودة إليها تمهيداً لتحويلها إلى منطقة عازلة خالية من السكان.
يأتي ذلك بالتزامن مع مؤشرات ميدانية متسارعة، أبرزها التوغلات الإسرائيلية المتواصلة، والسيطرة على مواقع استراتيجية، وتكثيف عمليات الاغتيال والقصف، إضافة إلى الإنذارات المتكررة التي تطال بلدات جنوبية تمتد من النبطية وإقليم التفاح وصولاً إلى جزين والبقاع الغربي. فما هي الأهداف الفعلية للتحركات الإسرائيلية؟ وإلى أين يمكن أن تصل حدود التقدم البري؟ وهل تسعى إسرائيل فعلاً إلى فرض واقع جغرافي وأمني جديد في جنوب لبنان؟ وما الغاية من إخلاء الضاحية الجنوبية والإنذار بقصفها؟
يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد سعيد القزح أن الهدف الإسرائيلي المعلن منذ بداية العمليات البرية، تمثل في إنشاء منطقة عازلة يتراوح عمقها بين عدة كيلومترات وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بما يمنع استخدام الصواريخ المضادة للدروع والأسلحة المباشرة ضد مستوطنات شمال إسرائيل. ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي تمكن إلى حد كبير من تحقيق هذا الهدف انطلاقاً من منطقة البياضة في القطاع الغربي وصولاً إلى شمال بنت جبيل في القطاع الأوسط، مروراً بعدد من التلال والمواقع المشرفة وصولاً إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، ولا سيما الجزء اللبناني منه الذي شهد عملية إنزال إسرائيلية عشية الإعلان عن وقف إطلاق النار.
إبعاد خطر مسيّرات الحزب
ومع اشتداد المواجهات، اصطدمت إسرائيل، بمعطى ميداني جديد تمثل في استمرار إطلاق المسيّرات التابعة لحزب الله، والتي تعتمد على منظومات اتصال يصعب تعطيلها أو التشويش عليها وقد تمكنت هذه المسيّرات، رغم محدودية حمولتها المتفجرة من إصابة أهداف إسرائيلية وإيقاع خسائر مباشرة في صفوف القوات المنتشرة داخل المنطقة الحدودية، فضلاً عن وصول بعضها إلى مستوطنات شمال إسرائيل. هنا يلفت القزح إلى أنه "منذ سريان وقف إطلاق النار في 16 نيسان وحتى اليوم، سقط عدد من القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي، وهو ما تعتبره المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مؤشراً على عدم نجاح المنطقة العازلة الحالية في تحقيق الأمن المطلوب، لذلك هي تسعى حالياً إلى توسيع هذه المنطقة لتشمل نطاقاً أوسع يمنع خطر الصواريخ غير المباشرة، ولا سيما صواريخ "غراد" والنسخ المطوّرة منها، إضافة إلى إبعاد خطر المسيّرات التي أثبتت قدرتها على الوصول إلى أعماق تتجاوز حدود المنطقة العازلة الحالية".
من "الشقيف" الى "علي الطاهر"
يعتبر العميد المتقاعد أن "احتلال قلعة الشقيف يُشكل أحد أبرز المؤشرات على هذا التوجه. فالقلعة، وفق توصيفه، تُعدّ نقطة استراتيجية استثنائية تتيح السيطرة، بالنظر والنار، على مساحات واسعة تمتد من الجليل الأعلى داخل فلسطين المحتلة إلى سهل مرجعيون ومنطقة النبطية ومجرى نهر الليطاني، كما تسمح بمراقبة خطوط الإمداد والتحرك بين البقاع الغربي والجنوب.
ويرى القزح أن السيطرة على الشقيف ليست هدفاً نهائياً بحد ذاتها، بل تشكل خطوة تمهيدية نحو أهداف ميدانية أخرى، أبرزها التقدم نحو مرتفعات علي الطاهر التي تُعد من أعلى النقاط المشرفة في المنطقة وأكثرها حساسية من الناحية العسكرية.
مخازن وأنفاق وخط الزهراني
تتحدّث إسرائيل عن وجود بنى عسكرية وأنفاق ومخازن تابعة لحزب الله في تلك المنطقة، فضلاً عن أن السيطرة عليها تتيح مراقبة مناطق زوطر وميفدون وكفررمان والنبطية ومحيطها، يضيف القزح. وبحسب تقديره فإن "السيطرة على تلة علي الطاهر من شأنها أن تضع مدينة النبطية تحت ضغط ميداني مباشر، وربما تفتح الباب أمام محاصرتها أو استكمال التقدم غرباً باتجاه حبوش والبلدات الواقعة جنوب خط الزهراني".
ويضيف أن "المؤشرات الحالية توحي بأن إسرائيل تسعى للوصول إلى خط نهر الزهراني بكامل امتداده، من المصب حتى المنبع، باعتباره أحد أهم الخطوط الجغرافية والاستراتيجية في جنوب لبنان. كما لا يستبعد أن يمتد التقدم نحو إقليم التفاح ومحيط جزين، ولا سيما المناطق الواقعة بين جرجوع وكفرحونة وسجود ووادي جزين وجبل الريحان.
ويشرح القزح أن الإنذارات المتكررة التي تطال تلك المناطق ترتبط باعتقاد إسرائيلي بأن الجزء الأساسي من البنية العسكرية لحزب الله، سواء على مستوى المستودعات أو مراكز القيادة والسيطرة أو منشآت الصواريخ والمسيّرات، لا يزال موجوداً فيها، وهو ما يفسر حجم القصف المركز الذي تتعرض له منذ فترة.
وفي محور موازٍ، فإن "التقدم الإسرائيلي في منطقة دبين ومحاولة التوسع باتجاه بلاط قد يفتح المجال أمام عمليات أوسع باتجاه البقاع الغربي، مروراً ببلدات يحمر وزلايا ومشغرة وغيرها، وهي مناطق تشهد أيضاً غارات وإنذارات متكررة تحت عنوان استهداف بنى تحتية عسكرية ومراكز إمداد مرتبطة بحزب الله."
قدرات الحزب على منع التقدم
أما بالنسبة لقدرة حزب الله على مواجهة أي تقدّم بري، فيرى القزح أن "الحزب لا يزال يمتلك القدرة على إيقاع خسائر بالقوات المتقدمة وإبطاء حركتها واستنزافها ميدانياً، إلا أنه لا يملك القدرة على منع التقدم الإسرائيلي بشكل كامل، خصوصاً بعد الضربات القاسية التي تعرضت لها الوحدات النخبوية والقوات الخاصة التابعة له خلال الفترة الماضية.
أخطر من 1982
يلاحظ أن إسرائيل تعتمد في الآونة الأخيرة سياسة "الأرض المحروقة"، من خلال التدمير الكثيف والممنهج للمناطق المستهدفة قبل أي تقدّم بري، ما يقلص حجم المخاطر التي قد تواجهها القوات المهاجمة. وبسؤال الخبير العسكري القزح عما أفصح به مصدر أمني لـ "ليبانون ديبايت" أن المرحلة اليوم تكاد تكون أكثر خطورة من تلك التي شهدها لبنان في العام 1982، قال إن "المرحلة خطيرة والفارق الأساسي بين ما جرى عام 1982 وما يجري اليوم، يكمن في أن إسرائيل تسعى حالياً إلى إبقاء القرى الجنوبية خالية من سكانها ومنع عودة الأهالي إليها، بما يحولها إلى منطقة عازلة خالية من البشر، بحيث يصبح أي تحرك داخلها هدفاً مشروعاً بالنسبة للقوات الإسرائيلية.
قصف الضاحية: ضغط على الحزب وبيئته
وعن التهديدات المتزايدة باستهداف الضاحية الجنوبية، يرى القزح أن الهدف لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتعداه إلى ممارسة ضغوط سياسية ونفسية ومعنوية على "حزب الله" وبيئته الحاضنة والدولة اللبنانية ككل، من خلال إعادة أجواء الحرب إلى العاصمة بيروت وتوسيع دائرة الدمار والخسائر.
ويضيف أنه رغم الحديث الإسرائيلي عن انتقال مراكز القيادة والسيطرة الأساسية التابعة لحزب الله إلى خارج الضاحية، فإن الأخيرة لا تزال تمثل رمزاً سياسياً ومعنوياً للحزب، فضلاً عن احتمال وجود بعض المستودعات أو المراكز التشغيلية فيها، ما يجعل استهدافها يحمل رسائل تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة.
ويعتبر القزح أن أي انتقال من الاغتيالات الموضعية والضربات المحدودة إلى قصف واسع النطاق للضاحية الجنوبية يعني أن إسرائيل قررت رفع مستوى المواجهة والضغط، بعدما رأت أن الإجراءات السابقة لم تحقق النتائج المرجوة.
يبدو أن إسرائيل تحاول فرض معادلة جديدة "تقوم على تحميل حزب الله وبيئته أثماناً متزايدة مقابل كل عملية تستهدف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنات الشمالية، سواء عبر المسيّرات أو الصواريخ أو الهجمات المباشرة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات إضافية لتوسيع المنطقة العازلة وفرض واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني، إذا لم تنجح الضغوط الحالية في تحقيق الأهداف الإسرائيلية المعلنة."، يختم العميد المتقاعد.
سمر يموت ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|