الحزب يتجاوز مفاعيل قرارات الحكومة: ترامب يمنحه الشرعية!
نتيجة التفاهم الجديد حول وقف إطلاق النار عادت الأمور عملياً إلى ما كانت عليه في 31 أيار الماضي؛ أي قبل يوم واحد فقط من الإنذارات التي أطلقها بنيامين نتنياهو بقصف الضاحية الجنوبية في الأول من حزيران.
فعلياً، لم يحصل لبنان على أي مكسب مقابل هذا التفاهم. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي ولّدت دافعاً إلى استمرار المساعي الرامية للوصول إلى حل شامل للقتال. نظرياً، عادت الأمور إلى ما كانت عليه: قصف متبادل بين المقاومة وإسرائيل، فيما أبقت تل أبيب على احتلالها لأراض في الجنوب، واستمرت المسيّرات الإسرائيلية في التحليق من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية، فيما واصلت المقاتلات الحربية تحديث غاراتها وأحزمتها النارية.
تقول تل أبيب بصراحة إنها نجحت في فرض معادلة «الضاحية مقابل شمال إسرائيل»، وإنها تمكنت من وقف استهداف عمق الشمال من دون جهد عسكري إضافي. في المقابل، ثمة من يرى أن التلويح بقصف الضاحية كان مجرد تمثيلية منذ البداية، استُخدمت للوصول إلى هذه المعادلة من دون الحاجة إلى تصعيد كبير.
في المقابل، يواجه حزب الله حرجاً واضحاً أمام جمهوره، لكنه يصر على نفي وجود أي اتفاق مع الإسرائيليين أو الأميركيين حول مسألة وقف إطلاق النار، مستنداً إلى ما قاله النائب حسن فضل الله لـِ "رويترز" عندما أكد أن أي اتفاق يجب أن يكون شاملاً.
تؤكد مصادر مقربة من الحزب أن الجهات التي تواصلت معه كانت إيران والرئيس نبيه بري، وأنه لم يُعرض عليه أي مشروع متكامل لوقف الحرب، وأن عدم شمول الجنوب بأي تفاهم يعني، بالنسبة إلى الحزب، عدم وجود اتفاق أو حتى تفاهم بالمعنى السياسي للكلمة، وأن المشهد عاد عملياً إلى ما كان عليه قبل الأول من حزيران.
يذهب الحزب أبعد من ذلك، حيث يعتبر أن أي وقف لإطلاق النار لا يشمل الجنوب، ولا يترافق مع جدول زمني واضح وسريع للانسحاب الإسرائيلي، بمثابة تكريس للاحتلال ويمنحه نوعاً من الشرعية. باختصار، يقبل الحزب وقفاً شاملاً لإطلاق النار يتيح تحييد كل المناطق عن القصف. بمعنى أن يوقف الإسرائيلي قصفه لشمال الليطاني، مقابل وقف المقاومة قصفها لشمال الأراضي المحتلة، فيما يبقى جنوب الليطاني خاضعاً لمعادلة الاحتلال والمقاومة.
قد يُفهم من هذا الموقف أن الحزب يسعى إلى التحرر من أي التزامات. هذا صحيح مبدئياً. لكن ماذا عن الالتزام بالنسبة إلى الجنوب؟ في مكان معين ثمة اعتقاد أن الحزب كان في مقدوره فرض معادلة أكثر رسوخاً تعفي الجنوب من حالة القصف والدمار، فيما لو تحمّل أكثر، لا أن يعطي انطباعاً أنه ساهم في الوصول إلى وقف إطلاق النار وبقي الجنوب خارجه، كأن الحزب يريد للجبهة أن تبقى مشتعلة، كي تبقى تلك الورقة موجودة على طاولة المفاوضات، في محاولة منه لتعزيز أوراق المساومة حين يحين الوقت، وللإبقاء على دمج الملفين اللبناني والإيراني كعنصر ضمان له، فيمر وقف إطلاق النار عبر بوابة طهران لا واشنطن.
من هنا برزت قناعة متزايدة بأن الملف اللبناني أصبح أكثر ارتباطاً بالملف الإيراني. فبالنسبة إلى الحزب، كرّست الإدارة الأميركية، وعلى حسابها، هذا الترابط مرتين: الأولى عندما جعلت، برفضها وقف إطلاق النار، إيران صاحبة امتياز التحكم بمضيق هرمز، والثانية عندما بدا أن أي تقدم في الملف اللبناني بات يمر، بصورة أو بأخرى، عبر القناة الإيرانية.
بعيداً عن هذا النقاش، يعتقد الحزب أنه حقق مكسباً سياسياً مهماً من خلال ما جرى. فالطالما سعى إلى أن يكون الجهة المفاوضة أو المؤثرة في التفاوض، بصورة غير مباشرة عبر وسيط، لا مجرد جهة يجري التفاوض معها فقط. هذا ما حققه أمس، حين أقر رئيس أكبر دولة في العالم عبر موقف مكتوب، بأنه فاوض الحزب على وقف لإطلاق النار.
يعدّ الحزب ذلك نوعاً من الشرعية التي نالها من خلال القتال لا الجلوس في الغرف المكيّفة، وهو امتياز ناله بالتعب والعرق والصبر والتحمل، جعله طرفاً على الطاولة. امتياز لم يمنح للوفد اللبناني المفاوض رغم وجوده في واشنطن، رغم ما سبق طرحه ويحمل ذات الأهداف في جلسات التفاوض المباشرة السابقة.
في موازاة ذلك، كانت الدولة اللبنانية الخاسر الأكبر، حيث لجأت، حفظاً لماء الوجه، إلى التواصل مع الحزب لضمان الحديث، متجاوزة قراراتها باعتبار الحزب مجرد "عصابة". فاوضت العصابة إذاً، وكرّست اعترافاً بها وبدورها بالرغم من محاولتها خطف هذا الدور. فعلت ذلك بقرار من الرئيس ورضاه، وما سلبه الحزب عاد ومنحه إياه أقوى من ذي قبل.
يعتقد الحزب أنه فرض على الدولة اللبنانية الاعتراف بدوره حين مررت في بيان رسمي صادر عن سفارتها في واشنطن أن رئيس الجمهورية فاوض الحزب ونال منه وقفاً لإطلاق النار. من يقنع الحزب الآن أنه ما يزال فاقداً للشرعية؟
في المقابل، لا يزال الجدل قائماً حول طبيعة التواصل الذي حصل بين رئاسة الجمهورية والحزب. المتاح من معلومات يتحدث عن أن مستشاراً للرئيس هاتف وزيراً محسوباً على الحزب، بينما الحزب يؤكد أنه لم يفاوض إلا عبر القناة الإيرانية والرئيس نبيه بري.
ومهما تكن حقيقة هذه الاتصالات، فإن الحزب ينطلق مما يعتقد أنه شرعية نالها لتوسيع حضوره في الميدان العسكري. ومن وجهة نظر مقربين، يقارب الحزب الحسم بأن الحرب ليس مقدراً لها أن تنتهي الآن وبهذا الشكل. لكنه يدافع عن مسار شارك فيه بأنه ليس ملزماً تجاهه. بمعنى أنه سيقابل التصعيد الإسرائيلي بالتصعيد. وعليه، يراكم الحزب على مسألة أخلاقية نوعاً ما، تقوم على أنه التزم بمضمون التفاهم وأوقف عمليات القصف طيلة فترة ما قبل ظهر يوم التطبيق، لكن الإسرائيلي لم يلتزم. وبالتالي يصبح الحزب في حلّ من أي التزام.
منطقياً، الحزب إذن غير مقتنع، حتى بأصل فكرة وقف إطلاق النار، لكنه يسير فيها وحولها كنوع من التعبير عن جديته في إنهاء الحرب. فقبل أسبوعين تقريباً، وصل إلى الحزب من رئيس الجمهورية وعبر وسيط، مقترح لوقف إطلاق النار. حصل ذلك في أثناء الحديث عن تجديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً. اكتفى الحزب حينها بعرض سرد تفصيلي حول معاني وقف إطلاق النار في القواميس الدولية، وحدوده وتعريفه، وأسقط ذلك على الوضع الراهن، سالباً فكرة وقف إطلاق النار من مضامينها. ومع تشديد الرئيس على طلب جواب، رد الحزب بأنه يطلب ضماناً مكتوباً على شكل وثيقة من الولايات المتحدة، تتضمن أيضاً آلية انسحاب كي يمضي إلى إقرار علني بالتزام وقف إطلاق النار.
عبد الله قمح - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|