الصحافة

طلاب السويداء وقود في المحرقة السياسية والأمنية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تعرَّض الموحدون الدروز لمحنٍ متعددة عبر تاريخهم الذي يمتدّ لما يقارب الألف عام، وقد أكسبتهم التجارب مهارة الصبر والتقيَّة وتحمُّل الصعاب المتأتية عن جور من الخارج وجموح في الداخل. وما يحصل مع طلاب السويداء اليوم يُضيف مأساةً جديدة على الوضعية المُقلقة – أو المحنة كما قال أحدهم - التي يعيشها أبناء المحافظة منذ ما يقارب العام. 

تصرّ وزارة التربية السورية على إجراء الامتحانات الرسمية لأبناء المحافظة المُتقدمين لشهادتي الإعدادية والثانوية، ويقارب عددهم الـ 15 ألف تلميذ في مراكز تعليمية في محيط دمشق – لا سيما في جرمانا وأشرفية صحنايا – للتأكد من نزاهتها وعدم التدخل في مجراها من قبل مجموعات مُسلحة غير شرعية لها نفوذها في السويداء ومحيطها، ويرفض "الحرس الوطني" التابع للشيخ حكمت الهجري، هذا التدبير، ويطلب إجراء الامتحانات في المدينة، والفصائل عرقلت وصول القسم الأكبر من الطلاب الى المراكز المُحددة بموجب اتفاق رعته بعثة الأمم المتحدة في السويداء بالتعاون بين دمشق ومع إدارة الأمر الواقع في المحافظة.

الانطباق السياسي والتربوي والاقتصادي بدأ يشدُّ الخناق أكثر فأكثر على الفصائل التي تتولَّى إدارة شؤون المحافظة بعد أحداث تموز/ يوليو 2025. وهذه الأحداث تخللتها ارتكاب فظائع وجرائم ذهب ضحيتها المئات. وحتى الآن لم يُقدَّم أحد الى المحاكمة من المرتكبين، كما لم تُمنح أية رعاية او مساعدة لأهالي الضحايا، ولا للمشردين خارج منازلهم. والمسؤولية عن هذه المآسي توزَّع على الجميع، وتتحمل الحكومة في دمشق تبعات كبيرة عما جرى، وهي فشلت في حماية أبناء المحافظة بعد استلامها زمام الحكم في أعقاب سقوط نظام الأسد، وأعطت الحجج والمُبررات لأصحاب المشاريع المشبوهة من الإرهابيين والانفصاليين وفلول النظام السابق للعبث بالمحافظة والاعتداء على أهلها، ولهؤلاء الأهالي فضل على سوريا، وقد دفعوا غالياً من دماء أبنائهم من أجل استقلالها ووحدتها وعروبتها على مدى تاريخ طويل.

مع اقتراب ذكرى مرور عام كامل على الأحداث الأليمة التي حصلت في السويداء ومحيطها، تفرض الواقعية السياسية إجراء مراجعة سياسية نقدية واضحة وشفافة، كما تفرض تفعيل المحاكمة ومحاسبة الجناة، بعيداً عن العراضات التي يمارسها البعص من قبيل تخوين كل مَن يخالفهم الرأي ولا يوافق على مغامرة طلب الانفصال، كما بعيداً عن خلفية الاشتباه بكل مَن شارك في حفظ أمن وكرامة أبناء السويداء، لا سيما من غير المنخرطين بمشاريع خارجية مُهلكة.

الغالبية الساحقة من أبناء السويداء ومن الموحدين الدروز ليس لهم أي أهواء انفصالية، وغير مُتحمسين للركوب في "سفينة" الفتنة المشبوهة الأهداف التي تولِّفها إسرائيل للإيقاع بين مكوناتِ جيرانها، ولتقويض مسيرة التعافي في سوريا. وكل ما يريدونه هو العيش بكرامة وبأمان، وهم يخافون على تعرَّض كرامتهم للإهانة بعد ما رأوا المشاهد الفظة والأليمة الصيف الماضي، ويتألمون من رؤية موجة التحريض البغيضة التي يقودها مشبوهون على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي بعيدة كل البُعد عن ثقافة الشعب السوري، ودخيلة على العادات الشامية الراقية، خصوصاً منها التحريض المذهبي. في المقابل، فإن مصدر رزقهم مُهدّد، وسبل العيش تواجه مصاعب وتحديات، والعوز يكاد يدقّ باب كلِ بيت، باستثناء الذين يتلقون المساعدات لتنفيذ آجندات قد لا يعرفون مخاطرها على المستقبل. وأبناء السويداء من الطينة النجيبة التي لا تقبل العيش بمهانة، وهؤلاء يرفضون تغطية الموبقات وتهريب الممنوعات وصناعة السموم المُخدرة، ويميلون للتمسك بلقمة الحلال والعيش الرغيد بوسائل شريفة.

صحيح أن التحصيل العلمي هو مخزون ثقافي وأدبي وقدرة تقنية؛ ولكن المشروعية شرط أساس لبلورة هذه القيم، ولترسيخ الحق المُحصَّل بالسهر وعرق الجبين. وفي هذا السياق لا يمكن القفز فوق المشروعية لاستثمار الشهادات في مجالات العمل او للترقي العلمي. ولا بد من مصادقة السلطات الرسمية السورية المعترف بها دولياً على الوثائق التعليمية، والمُكابرة الفصائلية لا تفيد في هذا السياق على الاطلاق، وتجربة إدارة "قسد" في شمال شرق سوريا قبل حلّها أثبتت عدم القدرة على التهرُّب من المواءمة التعليمية مع النُظم السويَّة المعتمدة. وأي مسار خلاف ذلك؛ هو تضحية بمستقبل الطلاب، ودخول مُهلِك في المجهول العلمي والثقافي.

قطعت سوريا مسافات وازنة في مساحة التعافي والنهوض منذ انهيار النظام، وهي تحتاج للمزيد، لا سيما على مستوى ترسيخ المواطنة المُجرَّدة من كل أهواء عصبية وطائفية، ولا بد للقانون من أن يأخذ دوره أكثر في تصويب الحياة العامة وفي رعاية العدالة الانتقالية. وتبدو المؤشرات ميالة الى الولوج نحو زمن أفضل يستحقه الشعب السوري. والبراغماتية السياسية للإدارة الجديدة واعدة في توفير ظروف تليقُ بالمستقبل، وهي تمكنت في فترة قصيرة من تجاوز الحصار والإفلات من الصعوبات، وآخر هذه الخطوات تصفير المشكلات الداخلية مع "قسد" وتسوية التباينات الخارجية مع روسيا ومع مصر ومع الجزائر. وتؤكد إعادة تكليف المبعوث الرئاسي الأميركي توم باراك بإدارة العلاقة مع سوريا، أن خيار الوحدة ثابت ولا قدرة لأحد على تغييره، والمُراهنين على توفير مشروعية لطلب الانفصال يعتمدون على وهمٍ وسراب.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا