الصحافة

2023.. أيّ رئيس سيبقى تحت رحمة الإقليم

Please Try Again

ads




لا توحي مقدّمات عام 2023 في الأيام الأخيرة من العام المنصرم بأنّ الآتي سيشهد حلحلة للمأزق المتمادي في لبنان، سواء على صعيد إنهاء الفراغ الرئاسي، أو على صعيد الأزمة الاقتصادية المالية الطاحنة التي يعيشها اللبنانيون، بل إنّ محيطهم الجغرافي لا يبشّر، كما يقول بعض من يضرب بالمندل، بأنّ معالجة الأزمة ستتّجه نحو بدء مسار التعافي الاقتصادي حتى لو انتُخب رئيس في الربيع.

لم تعطِ اللقاءات التي أجراها رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل أيّ انطباع بأنّ حراكاً داخلياً قد بدأ من أجل مشروع توافق على الرئاسة، بل على العكس اعتبرها البعض لقاءات اجتماعية، وروّج البعض الآخر لاحتمال قيام النائب باسيل أو الخارج بمبادرات بعدها، كما كشفت التسريبات المتناقضة على الرغم من التكتّم الذي أحاط بها. إنّها أقرب إلى "تحضير الأرواح" والتمنّيات أو إثبات الحضور الهادف إلى تعبئة الوقت في مرحلة المناورات.

كان جانب من أهداف اللقاءات التي عقدها باسيل مع كلّ من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ولقاءات أخرى لا تزال غير معلنة، على ما قال في حواره مع "أساس" ليلة رأس السنة... كلها رسالةً إلى "حزب الله" بأنّه قادر على الانفتاح على خصومه، وذلك ردّاً على تأخير الاستجابة لطلبه (وطلب عمّه الرئيس السابق العماد ميشال عون) لقاء الأمين العام السيد حسن نصر الله، بهدف معالجة الخلاف على ترشيح الأخير لفرنجية للرئاسة.

إمّا في المعارضة أو الفراغ لـ6 سنوات

لا تقف مؤشّرات امتداد الانسداد السياسي إلى العام المقبل عند هذه الانطباعات.

في الداخل أوضح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع قراره الثابت رفض أيّ نقاش مع معسكر الخصوم في قوى 8 آذار وحلفاء "حزب الله" للتوافق على "أيّ مرشّح له، حتى لو قاطع انتخابات رئاسة الجمهوريّة 10 سنوات". وكانت الترجمة العملية لهذا الكلام ما قاله جعجع في لقاء مع مصلحة المهندسين في حزبه من أنّه لا تنازل لمرشّح حزب الله حتى لو كلّف الأمر بقاء حزبه 6 سنوات في المعارضة، أو بقاء الفراغ الرئاسي 6 سنوات مقبلة. وجاء هذا الموقف ليردّ على ما سبق أن أعلنه قادة حزب الله من أنّهم يسعون إلى الرئيس "الذي نريد...وإلّا فلن يكون".

إذا كان باسيل يسعى إلى الحصول على ضمانات للاحتفاظ بامتيازات حقّقها في السنوات الستّ الماضية، خلال الولاية المقبلة، من خلال شخص الرئيس الآتي و"الحزب"، فمن الطبيعي أن يحول جعجع دون ذلك بعدما غادر خصمه في الساحة المسيحية الرئاسة، وأن يرفض عودته من الشبّاك بعدما خرج من الباب، وعودة "الحزب" إلى التحكّم بالموقع الأول في الجمهورية خدمةً لنفوذ إيران، في وقت تتعرّض فيه هذه الأخيرة لضغوط غير مسبوقة من الداخل والخارج.

ميقاتي في السعوديّة لا يضمن شيئاً

في الوقائع اللبنانية - الإقليمية أنّه على الرغم من أنّ بعض المستجدّات حفّزت أوساطاً سياسية على المخاطرة بركوب موجة التفاؤل، بعد استقبال وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال مشاركته في القمّة العربية الصينية في الرياض، إضافة إلى لقاءاته المتعدّدة مع مسؤولين عرب كبار، فقد بقي الأمر في حدود ما هو معروف من المواقف الخارجية، التي تتمنّى أن ينتخب اللبنانيون رئيساً، وغير ذلك من سائر أدبيّات الحرص على لبنان والاستعداد لمساعدته. لكنّ الحقيقة، حسب العارفين، أنّ ميقاتي كسب شخصياً من هذه اللقاءات صورة ممثّل الدولة اللبنانية بغياب رئيس الجمهورية، ونال انفتاحاً جديداً عليه وعلى بعض مطالبه، ولا سيّما ما يتعلّق منها بالفيول الجزائري والعراقي، وحصل من خلال اجتماعه مع وليّ العهد على بداية تفهّمٍ سعودي لدوره الراهن، ممثّلاً للموقع السنّيّ في الحكم، وتقديراً للمعاناة التي يكابدها في معالجة القضايا الشائكة في بيروت. فيما ذلك لا يخرج عن إطار اللياقة السعودية المعهودة. وبعد عودته راح يردّد أنّ لقاءه مع وليّ العهد كان "ممتازاً" ردّاً على سائليه. إلا أنّ المعطيات أفادت بأنّه بعد حديثه عمّا يمرّ به البلد من صعوبات في خطابه أمام القمّة، ثمّ خلال الاجتماع، سأل الجانب السعودي ميقاتي: "إذا عادت المملكة إلى مساعدة لبنان على النهوض الاقتصادي كما كانت تفعل في السابق، هل من ضمانة بألّا تتعرّض للحملات وللأعمال العدائية ضدّها (والمقصود بها "حزب الله" طبعاً)، وأن يتمّ وقف كلّ ذلك"، فكان مضمون جواب ميقاتي الصريح بأنّه لا يستطيع أن يضمن أمراً كهذا.

للمرء أن يقدّر ما يعنيه ذلك للرياض التي تعرف الجواب سلفاً. لكنّ هذا السؤال سيُطرح على أيّ مرشّح للرئاسة، ثمّ على أيّ رئيس يمكن لأعجوبة أن تقود إلى اختياره، سواء كان مرشّح "الممانعة" أو شخصية وسطية، وسيكون جوابه مماثلاً إذا لم يكن وقع الاختيار عليه نتيجة تسوية إقليمية تفصل أزمة لبنان عن التأزّم الإقليمي الراهن.

تمويل اقتصاد لبنان وسوريا

في الوقائع الاقتصادية التي ترافق استمرار الفراغ الرئاسي، لا حاجة إلى توصيف الاتجاه التشاؤمي للتوقّعات، ولا سيّما بعدما شهدت نهاية عام 2022 فصولاً كارثية على حياة اللبنانيين مع صدور أرقام تبيّن ارتفاع الاستيراد بالعملة الصعبة الذي يُتوقّع أن يصل إلى قرابة 19 مليار دولار، فيما يُتوقّع أن يناهز الناتج المحلّي 16 ملياراً، وأن يعادل في أحسن الأحوال فاتورة الاستيراد. وكلّ ذلك لتلبية احتياجات الاقتصادين اللبناني والسوري المأزومين، فيما يزيد شحّ العملة الصعبة لدى مصارف لبنان، فضلاً عن شراء الدولار لمصلحة دمشق، والتهريب من وإلى سوريا، واستنزاف الاحتياطات المصرفية التي تخضع للعبة جهنّمية لا ضابط لها، مع ما يسبّبه كلّ ذلك من انخفاض مطّرد في قيمة الليرة. فأيّ مرشّح أو رئيس منتخب (بفعل الأعجوبة) لن يكون بإمكانه معالجة هذه المعضلة بين البلدين بضبط الحدود ومواجهة مافيات الصيرفة وبعض المصارف، من دون قرار سياسي يستحيل اتّخاذه بلا موافقة "حزب الله"، الذي يعتبر الرئيس السوري بشار الأسد  لبنان"خاصرة سوريا".

إنّ آفاق التحسّن في اقتصاد بلاد الشام يتوقّف على حلّ سياسي فيها ما زال بعيد المنال، على الرغم من خطوات الانفتاح الأخيرة بين دمشق وتركيا بوساطة روسيّة، إذ بقيت هذه الخطوات محصورة بترتيبات تحول دون توغّل تركي عسكري إضافي في الشمال السوري بحجّة ضبط المكوّن الكردي.

عبء النازحين: واشنطن تعتبره مبالغة؟

في السياق نفسه يبدو أنّها لن تثمر تلك الجهود اللبنانية من أجل خفض عبء النازحين السوريين على الاقتصاد، عبر إعادة جزء منهم، ما دام الموقف السياسي الغربي من النظام في سوريا على تشدّده. فدول أوروبا وأميركا والدول العربية الرئيسة تشترط من أجل تمويل هذه العودة تقدّماً في الحلّ السياسي وفق القرار الدولي 2254*، لكنّ نظام الأسد يعارضه منذ سنوات ويواصل تقويضه. ومن نتائج ذلك أنّ تعقيدات الأزمة السورية تفرض نفسها على لبنان الذي تراوح أرقام خسائره جرّاء استضافته النازحين بين 18 و24 مليار دولار.

تبلّغ الجانب اللبناني من الإدارة الأميركية في الأيام الماضية أنّ هناك "مبالغة" من قبله في إثارة قضية النازحين والخسائر الناجمة عنها، وأنّ على المسؤولين فيه أن يقلعوا عن تصعيد اللهجة ضدّ الوكالة الدولية للّاجئين، التي تقدّم مساعدات يستفيد منها لبنانيون.

الموقف الدولي الرافض للأخذ بتوجّهات لبنان في شأن هذه المشكلة يجعلنا نتوقّع المزيد من الصعوبات الاقتصادية التي تضع أيّ مرشح، أو أيّ رئيس جديد، في مواجهة مع المجتمع الدولي، وأمام استعصاء التخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية. وإذا استمرّ الفراغ فسيسوء الوضع الاقتصادي أكثر ممّا هو عليه، وإذا انتُخب رئيس للبنان من دون معادلة إقليمية دولية تسمح بتدفّق أموال جديدة إلى اقتصاده، فإنّ الرئيس العتيد سيخضع لواقع تشابك الأزمة في سوريا مع أوضاع إقليمية ودولية متعدّدة لا دور له فيها، فيما "حزب الله" سيكون أكثر تمسّكاً بدوره على الساحة السورية، وسيساهم في البناء العسكري والصاروخي والاقتصادي الإيراني فيها.

لا ينتهي تعداد الصعوبات الكبرى التي ستواجه لبنان حتى لو جرى انتخاب رئيس، مع افتراض أنّ الوعود بمبادرات خارجية من أجل إنهاء الفراغ الرئاسي ستصدق، مثل حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تحرّك سيقوم به في الأسابيع المقبلة من أجل إيجاد "استراتيجية" للإنقاذ، فكيف سيكون الحال إذا فشلت المحاولات ورجحت كفّة إطالة أمد الفراغ؟

(*) القرار 2254 الذي صدر عام 2015 يتعلّق بوقف إطلاق النار وإجراء تسوية سياسية وحماية المدنيين.

وليد شقير - اساس ميديا ads




Please Try Again