الصحافة

عن الصراع في الشرق الأوسط : خرافات أربع وحقائق أربع!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يشهد النقاش الدائر في الولايات المتحدة حول الشرق الأوسط اليوم تداخلًا بين الخرافة والواقع.

الخرافة الأولى: كان يمكن تفادي هذا الصراع لو لم تنسحب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النوويّ الإيرانيّ عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA).

في الواقع، أظهرت ملفّات نووية إيرانية حصلت عليها إسرائيل قبل الانسحاب الأميركيّ عام 2018 أنّ إيران كانت:

– أ – تمتلك قدرات نووية أكثر تقدمًا وشمولًا ممّا أُعلن عنه سابقًا،

– ب – وتخطط لمواصلة العمل على تطوير برنامجها النوويّ العسكريّ مع السعي إلى إخفائه،

– ج – وتنتهج أسلوب خداع ممنهج تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وتشير هذه المعطيات إلى أنّ إيران لم تُبدّل هدفها الاستراتيجيّ المتمثّل في تصنيع سلاح نوويّ.

وقد استفادت من رفع العقوبات ضمن الاتفاق، مع إدراكها أنّ البنود الزمنية (sunset clauses) ستُتيح لها لاحقًا استئناف التقدم النوويّ من دون قيود جوهرية. كما أقرّ الرئيس أوباما بأنّ تطوير أجهزة الطرد المركزيّ المتقدمة قد يمكّن إيران من الوصول إلى “زمن اختراق شبه صفريّ” بحلول عام 2028. وإلى جانب ذلك، تجاهل الاتفاق مسألة دعم إيران لوكلائها الإقليميين، ما أسهم في تراجع الدعم السياسيّ له داخل الولايات المتحدة، وبين شركائها في الشرق الأوسط. وهكذا حصلت إيران على موارد مالية عزّزت بها قدراتها العسكرية وشبكة حلفائها، مقابل تأجيل برنامجها النوويّ بشكل محدود.

الخرافة الثانية: أظهر الصراع فوائد تحالفات إيران مع الصين وروسيا.

على العكس، يتعيّن أن تُظهر تجربة إيران أنّ التحالف الاستراتيجيّ مع موسكو أو بكين هو طريق أحاديّ الاتجاه. وقد تجري عمليات نقل أسلحة وتبادل معلومات استخباراتية خلف الكواليس، غير أن ذلك لا يكفي لحماية إيران من العواقب الاستراتيجيّة النّاجمة عن خطأ التقدير، ولا لإنقاذ حياة العقول الإيرانية التي هندست هذه التحالفات.

الخرافة الثالثة: أدّت هجمات إيران على دول مجلس التعاون الخليجيّ إلى إنهاك اقتصاداتها، وإضعاف علاقاتها مع الولايات المتحدة.

في الواقع، تُظهر هذه الدول قدرةً لافتةً على الصمود. إذ تسهم هذه الهجمات في توحيد مُواطنيها في مواجهة إيران، وتعزيز الشعور الوطنيّ، كما تعزّز في المقابل رغبتها في ترسيخ علاقات أمنية متينة مع الولايات المتحدة. ولا يُطالب معظم قادة دول الخليج واشنطن بإنهاء الحرب بأي ثمن، بل بعدم ترك المهمة منقوصة أو التخلّي عنهم لمواجهة تداعياتها. وفي حال تردّدت الولايات المتحدة، فستلجأ هذه الدول إلى سياسة التحوّط، غير أنّ ذلك يكشف نقاط ضعف إيران ونواياها الخبيثة.

الخرافة الرابعة: تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا سياسيةً واقتصاديةً داخليةً كبيرةً.

الحرب ليست شعبيةً، ويرجع ذلك جزئيًا إلى ارتباك استراتيجيّة التواصل المعتمدة من واشنطن في البداية. أسعار البنزين حاليًا قريبة من مستويات عام 2022، وهي مستويات تمكّنت الولايات المتحدة من تخطّيها والتماشي معها. كما تشهد الإنتاجية ارتفاعًا والوظائف نموًّا. ومن المُعتاد أن يخسر الحزب الحاكم في البيت الأبيض مقاعد في انتخابات تجديد الكونغرس النّصفية، وهو ما يتوقعه الجمهوريون هذا العام. ولكن لن يمنح أي سيناريو واقعيّ الديمقراطيين أغلبية الثلثين في مجلسي الكونغرس، وهي النسبة اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسيّ، أو المضي في إجراءات عزل تنتهي بإدانة في مجلس الشيوخ. ومن غير المرجّح أن يغيّر ترامب استراتيجيته الأمنية من أجل كسب بضعة مقاعد في الانتخابات النصفية.

الحقيقة الأولى: ستخرج إيران من هذا الصراع أكثر عزلةً من أي وقت مضى.

لقد أظهرت إيران وجهها الحقيقيّ من خلال هجماتها على جيران مسالمين، ومحاولاتها ابتزاز الاقتصاد العالميّ. وتؤكّد التطوّرات الأخيرة أنّ التعايش مع إيران نووية غير قابل للتطبيق.

الحقيقة الثانية: أوروبا محدودة التأثير خارج حدودها.

الحرب غير شعبية في أوروبا، لكنّ إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز يُشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصاديّ الأوروبيّ، ما يفرض البحث عن مبادرات أكثر ابتكارًا في مجالَيْ الدفاع الذاتيّ والدبلوماسية. وفي المقابل، يُقيّد تراجع نسب التأييد عند كل من ستارمر في بريطانيا (21–23%)، وماكرون في فرنسا، ومرز في ألمانيا (أقل من 20% لكل منهم) قدرة هؤلاء على ممارسة القيادة، ما يترك المجال أمام تقدّم باكستان إلى الواجهة. ونادرًا ما يحظى الجبناء بالشعبية.

الحقيقة الثالثة: تُبالغ إيران في تقدير قدرتها على التأثير.

لقد منحتها طموحاتها النووية، واعتمادها على وكلائها الإقليميين في السنوات الأخيرة، نفوذًا مشوّهًا، لكنها أخطأت في تقدير حزم كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة. ولم يضعف التصعيد في مضيق هرمز، والهجمات على دول مجلس التعاون، دول الخليج، ولم يصب الاقتصاد العالميّ بالشلل، ولم يدفع الولايات المتحدة إلى التراجع أو إلى وقف سياساتها. وقد عكس استمرارها في رفع سقف المواجهة القناعة بقدرتها على استنزاف خصومها وتجاوزهم مع مرور الوقت من دون تقديم أي تنازلات. ويعزّز هذا السلوك درسًا تاريخيًا مفاده أنّ النظام الإيرانيّ، وكما يعتمد على العنف والترهيب في الداخل والخارج، فهو لا يستجيب سوى لمنطق القوة والضغط العسكريّ.

الحقيقة الرابعة: استعدّوا للعبة طويلة الأمد.

حتّى اللحظة، لا يلوح في الأفق أي مسار واضح لإنهاء هذا الصراع. لذا توقّعوا استمرار المبادرات الدبلوماسية بشكلٍ متقطّعٍ، بالتوازي مع تصعيدات عسكرية متقطّعة تتخلّلها فترات من التهدئة، إلى جانب ضغط أميركيّ على إيران، إلى أن تفهم طهران أنّ السبيل الوحيد لخلاصها هو في تسوية تفاوضية. غير أنّ القيادة الإيرانية لا تبدو قريبةً من هذه النقطة.

وحتّى في حال بلوغ تلك النقطة، ستكون المفاوضات طويلة وشاقة.

إذ ما من حلول سهلة أو سريعة للمشكلة التي تمثّلها إيران؛ وما من سبيل إلى التعامل مع هذا التهديد سوى بالمثابرة والضغط المستمرّ.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا