صحيفة أميركيّة: إتّفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل "انهار"
العالم يتأرجح بين الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة
بقلم العميد الدكتور غازي محمود :
بعدما كانت المخاوف من التغير المناخي، الناجم عن انبعاثات الوقود الأحفوري، تضغط باتجاه الحد من التوسع في استخدام النفط والغاز، وتشجع على زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، يأتي استمرار الطلب على النفط والغاز في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وبوتيرة متزايدة، ليؤكد على الأهمية التي لا تزال تتمتع بها الطاقة التقليدية. خاصةً وأن التحول الطاقوي هو عملية تدريجية وطويلة الأمد، لا بد من أن يتم من خلال انتقال منظّم ومتوازن يراعي حاجات الاقتصاد العالمي وأمن الإمدادات.
طاقة متجددة تنمو بوتيرة متسارعة
وظل هذا التحول بطيء على الرغم من أن نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في المزيج الطاقوي العالمي هي في ارتفاع مضطرد، وأصبحت اليوم في صلب استراتيجيات الطاقة لدى الدول. حيث تُسهم الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء بنحو %34 على مستوى العالم، وقد ارتفع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة خلال عام 2025 إلى نحو 692 غيغاواط، بزيادة 15.5% عن العام الذي سبقه. أما حصتها من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي في قطاعات النقل والتدفئة والصناعة فلا تتجاوز الـ %18.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمو السريع للطاقة المتجددة لا يكاد يكفي لتلبية الطلب الإضافي على الطاقة، وليس لزيادة حصتها في مزيج الطاقة. فهي، وعلى الرغم من تقدم تقنياتها وتطور أدواتها بسرعة لتشغل حيزًا أوسع ودورًا أكبر في مستقبل الطاقة، إلا أنها لا تزال تحتاج إلى مزيد من الوقت لتطوير البنية التحتية وتكنولوجيا التخزين حتى تصبح قادرة على تلبية الطلب على الطاقة بمفردها.
الطاقة التقليدية والدور المحوري
في المقابل، يستمر الوقود الأحفوري (فحم، ونفط، وغاز) في الاحتفاظ بدوره المحوري في منظومة الطاقة العالمية والمزيج الطاقوي نتيجة جملة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية والتقنية. ويأتي في مقدمة هذه العوامل النمو السكاني والتوسع العمراني المتواصل، إلى جانب تنامي احتياجات قطاعات الصناعة والنقل، وارتفاع استهلاك الكهرباء في الاقتصادات الناشئة.
ومن هذه العوامل أيضًا أن قطاعي النفط والغاز يتمتعان بواحدة من أضخم البنى التحتية العالمية، تشمل الحقول والأنابيب والمصافي ومحطات التخزين والمرافئ، فضلاً عن أعقد شبكات سلاسل الإمداد والناقلات التي تؤمن تدفق أكثر من 100 مليون برميل يوميًا من مواقع الاستخراج إلى المستهلكين النهائيين، الأمر الذي يمنحهما أفضلية استراتيجية لا تزال الطاقة المتجددة عاجزة عن مجاراتها بالكامل.
وتبلغ قيمة سوق الخدمات اللوجستية المخصصة لسلاسل إمداد النفط والغاز نحو 234 $ مليار، ومن المتوقع أن تصل إلى أكثر من $400 مليار بحلول عام 2035. وتمثل القيمة الإجمالية لقطاع الطاقة ككل بما في ذلك الإنتاج والتكرير والتوزيع، تريليونات الدولارات، حيث تتجاوز قيمة السوق العالمية للقطاع 8.7 $ تريليون.
وقد أدى الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والطفرة في إقامة مراكز البيانات والتوسع الكبير فيها إلى تسجيل مستويات غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء، الأمر الذي جعل مصادر الطاقة المتجددة، بمفردها، غير قادرة على تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة.
وفي الوقت الذي كانت تسعى العديد من الدول إلى التخلص من المفاعلات والمحطات العاملة على الفحم لإنتاج الكهرباء، جاءت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، لتدفعها إلى العودة إلى استخدام الفحم في إنتاج الكهرباء والتريث في تدمير المفاعلات المتبقية.
ومن اللافت أن مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما الشمس والرياح، عززت من استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، بحيث أدت إلى أن يلعب الغاز دورًا حيويًا في استقرار الشبكة من خلال تأمين طاقة تحميل أساسية والحؤول دون الانقطاعات الواسعة التي تطرأ على الطاقة المتجددة، بدلًا من تحييده والحد من استخدامه. خاصةً وأن كلفة استخدام الغاز تبقى أقل من كلفة تخزين الفائض من الطاقة المتجددة.
وعلى الرغم من أن التوسع في استخدام السيارات الكهربائية يُقلل تدريجيًا من الطلب على وقود النقل البري، إلا أنه لا يلغي الحاجة إلى النفط في إنتاج وقود الطائرات والسفن والشاحنات الثقيلة، كما لا يلغي دوره في صناعة البلاستيك والأسمدة والمواد الكيميائية والصناعات الثقيلة والبتروكيماوية وغيرها من الصناعات.
تحديات الطاقة المتجددة
وتجدر الإشارة إلى أن التحول إلى الطاقة المتجددة يواجه تحديات عديدة، أبرزها: ارتفاع التكاليف الاستثمارية الأولية، وتقلبات (انقطاعات) الإنتاج المرتبطة بالعوامل المناخية، والنقص في البنية التحتية لشبكات الكهرباء، بالإضافة إلى الحاجة الماسة إلى حلول عملية لتخزين الطاقة، فضلًا عن المعوقات المتعلقة بتوفر الأراضي والمساحات.
محاذير التحول الطاقوي
الإسراع في التخلي عن المصادر التقليدية قد يؤدي إلى أزمات في الأسعار والإمدادات، بينما التباطؤ في التحول المتجدد يفاقم المخاطر البيئية والمناخية. والتحدي الحقيقي أمام الدول لا يكمن في الاختيار بين النفط والغاز أو الطاقة المتجددة، بل في إدارة الانتقال بينهما بأقل كلفة اقتصادية واجتماعية ممكنة.
ولذلك، ستظل الطاقة التقليدية حاضرة بقوة في مزيج الطاقة العالمي، خاصةً في القطاعات التي يصعب تحويلها إلى بدائل نظيفة. وبالتالي، يحافظ النفط والغاز على مكانتهما ليس لأنهما الخيار الأفضل بيئيًا، بل لأنهما لا يزالان الخيار الأكثر جاهزية وكثافة ومرونة في العديد من الاستخدامات الحيوية.
ترامب يدعم الطاقة التقليدية
وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلعب دورًا محوريًا في تعزيز دور الوقود الأحفوري واحتفاظه بحصة وازنة في المزيج الطاقوي، بتشجيعه حفر المزيد من الآبار: "احفر، صغيري، احفر" (Drill, baby, drill) وزيادة إصدار تراخيص الحفر والتنقيب، واستخدام سلطاته لدعم قطاع الفحم، فضلاً عن تقليص دعم الطاقة المتجددة بالإضافة إلى سحب الولايات المتحدة مجدداً من اتفاقيات المناخ الدولية.
طاقة تقليدية ومتجددة
وعليه، يمكن القول إن النفط والغاز لم يستعيدا مكانتهما لأن العالم تخلى عن طموحاته البيئية، بل لأن الواقع كشف حدود الانتقال السريع وغير المتوازن. فالطاقة المتجددة هي مستقبل الطاقة وآفاقها الواعدة، لكنها لم تصبح بعد وحدها عماد الحاضر. واليوم ينتظر العالم استكمال الأبحاث حول الاندماج النووي "وشموسها الصغيرة"، بعد أن تخطت تجاربها حاجز توليد طاقة تفوق الطاقة المستهلكة في التفاعلات، ليصبح لديه طاقة نظيفة لا تنضب.
وحتى ذلك الوقت، سيبقى النفط والغاز يشكلان صمام أمان للاقتصاد العالمي، وركيزة أساسية لأمن الطاقة، وأداة لا يمكن الاستغناء عنها في مرحلة يبدو أنها لا تزال طويلة ومعقدة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|