النار تعود إلى الحدود.. لماذا قصفت باكستان أفغانستان؟
أعادت الغارات الجوية الباكستانية الأخيرة داخل الأراضي الأفغانية التوتر إلى واجهة العلاقات بين إسلام آباد وكابول، بعدما أعلنت سلطات حركة طالبان الأفغانية مقتل ما لا يقل عن 13 شخصًا، بينهم 11 طفلًا، وإصابة 14 آخرين معظمهم من النساء والأطفال، جرّاء ضربات استهدفت مواقع في ولايات كونار وخوست وباكتيكا.
وبينما لم تصدر الحكومة الباكستانية تعليقًا رسميًّا على العملية، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أمنيين باكستانيين أن الضربات استهدفت مخابئ ومنشآت تستخدمها جماعات مسلحة باكستانية تنشط انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، في أحدث حلقة من النزاع الأمني المستمر بين البلدين.
صراع حدودي متجدد
تعكس الضربات الجوية استمرار الخلاف العميق بين باكستان وحكومة طالبان بشأن ملف الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وتتهم إسلام آباد حركة طالبان الأفغانية منذ سنوات بالسماح لجماعات مسلحة، وفي مقدمتها حركة طالبان باكستان، باستخدام الأراضي الأفغانية كملاذ آمن للتخطيط وتنفيذ هجمات داخل باكستان.
في المقابل، ترفض حكومة طالبان هذه الاتهامات، وتؤكد أن التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان تمثل شأنًا داخليًّا لا علاقة لكابول به.
وتأتي التطورات الأخيرة رغم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش في مارس الماضي، عقب اشتباكات دامية شهدتها المناطق الحدودية في وقت سابق من العام، في وقت تواصل فيه الصين جهود الوساطة بين الجانبين للحيلولة دون تدهور العلاقات بشكل أكبر.
تداعيات أمنية وإنسانية متزايدة
يثير الحادث مخاوف متزايدة من عودة التصعيد إلى إحدى أكثر المناطق اضطرابًا أمنيًّا في جنوب آسيا. فمنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، شهدت العلاقات الثنائية تراجعًا مستمرًّا نتيجة الخلافات المتعلقة بأمن الحدود والنشاط المسلح.
ويرى مراقبون أن الغارات الأخيرة قد تهدد اتفاق وقف إطلاق النار الهش، وتفتح الباب أمام ردود فعل من جانب السلطات الأفغانية أو الجماعات المرتبطة بها؛ ما قد يزيد تعقيد جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة.
كما أثارت العملية مخاوف إنسانية واسعة، خصوصًا في ظل سقوط ضحايا مدنيين بينهم 11 طفلًا. ومن شأن هذه الخسائر أن تؤجج المشاعر المعادية لباكستان داخل أفغانستان، وأن تعزز نفوذ التيارات المتشددة داخل حركة طالبان التي ترفض أي تقارب أو حوار مع إسلام آباد.
مخاطر إقليمية أوسع
تعكس العملية العسكرية أيضًا حالة الإحباط المتزايدة داخل باكستان بسبب استمرار الهجمات المسلحة التي تستهدف قوات الأمن، ولا سيما في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان، حيث تصاعدت الهجمات خلال السنوات الأخيرة.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانبين فقط، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله. فأي تصعيد طويل الأمد بين باكستان وأفغانستان قد يؤثر في حركة التجارة العابرة للحدود، وإدارة ملف اللاجئين، والتعاون الأمني المشترك، فضلًا عن مشروعات الربط الاقتصادي التي تهدف إلى تعزيز التواصل بين جنوب آسيا ووسطها.
وتبرز الصين كأحد أبرز الأطراف المعنية باحتواء الأزمة، نظرًا لمصالحها الاقتصادية والأمنية في المنطقة، إلى جانب اهتمام دول آسيا الوسطى والشركاء الأمنيين الإقليميين بمتابعة تطورات الوضع الحدودي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يتجه الاهتمام حاليًّا إلى طبيعة الرد الذي قد تتبناه حكومة طالبان، سواء عبر التصعيد الدبلوماسي أو اللجوء إلى القنوات الدولية أو اتخاذ خطوات ميدانية على الأرض.
ومن المتوقع أن تدين كابول الضربات بشدة وتسعى إلى حشد دعم إقليمي لممارسة ضغوط سياسية على إسلام آباد.
في المقابل، قد تواصل باكستان تنفيذ عمليات عسكرية محددة إذا اعتقدت أن الجماعات المسلحة لا تزال تستخدم الأراضي الأفغانية كنقطة انطلاق لهجماتها، وهو ما يرفع احتمالات وقوع حوادث حدودية جديدة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في مارس الماضي.
وتكتسب الوساطة الصينية أهمية متزايدة في هذه المرحلة، إذ تسعى بكين إلى منع انزلاق الطرفين نحو مواجهة أوسع قد تهدد الاستقرار الإقليمي ومشروعات البنية التحتية والتجارة المرتبطة بمبادراتها الاقتصادية.
وعلى المدى البعيد، يبقى جوهر الأزمة دون حل، إذ لا تزال الخلافات قائمة حول ملف الملاذات الآمنة للجماعات المسلحة.
ويرى مراقبون أن غياب آليات فعالة للتنسيق الأمني وإعادة بناء الثقة بين الجانبين سيبقي احتمالات المواجهات العسكرية المتقطعة قائمة، ويجعل التوتر سمة دائمة على طول أحد أكثر الحدود حساسية واضطرابًا في المنطقة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|