هل أراد ترامب فعلاً تكليف الشرع مهمة "حزب الله"؟
لم تمرّ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكان أن يتولى الرئيس السوري أحمد الشرع أمر "حزب الله" مرور الكرام، رغم النفي السوري السريع وما تلاه من محاولات لتخفيف وقع الكلام. فالتصريح بدا للكثيرين مفاجئاً، لكنه في الوقت نفسه أثار سؤالاً أساسياً: هل تحدث ترامب عن فكرة متداولة فعلاً في الكواليس الإقليمية والدولية، أو أنه كان يطلق موقفاً سياسياً من دون أي أسس عملية؟
حتى الآن، لا معطيات تؤكد وجود خطة أميركية - سورية مشتركة لمواجهة "حزب الله"، ولا مؤشرات لاستعداد دمشق لإرسال قواتها إلى لبنان أو الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الحزب. بل إن الرئيس أحمد الشرع كان واضحاً في رفضه أي حديث عن عودة الجيش السوري إلى لبنان أو دخوله في حرب جديدة خارج الحدود السورية.
لكن ذلك لا يعني أن كلام ترامب جاء من فراغ كامل.
من الحدود لا من بيروت
في الواقع، يبدو أن النقاش الدائر في الأوساط الغربية والإسرائيلية يتركز على دور مختلف تماماً عن الصورة التي أوحت بها تصريحات ترامب. فبعد التغييرات التي شهدتها سوريا، باتت دمشق تمسك بجزء أساسي من الجغرافيا التي لطالما شكلت عمقاً استراتيجياً لـ"حزب الله" وخطوط إمداد له.
ومن هذا المنطلق، قد يكون المقصود بالدور السوري ليس مقاتلة الحزب داخل لبنان، بل تشديد الرقابة على الحدود، وإغلاق مسارات التهريب، ومنع انتقال السلاح أو إعادة بناء شبكات الدعم اللوجيستي التي كانت قائمة خلال السنوات الأخيرة.
هذا الدور، إذا تحقق، يمكن أن يشكل أحد عناصر الضغط على الحزب من دون أن يعني بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة معه.
ضغط أميركي أو عرض سياسي؟
تزامنت تصريحات ترامب مع تسريبات تحدثت عن ضغوط أميركية متزايدة على دمشق لممارسة دور أكبر في ملف "حزب الله". وإذا صحت هذه التسريبات، فإنها تعكس توجهاً أميركياً يرى أن سوريا الجديدة مطالبة بتقديم أثمان سياسية وأمنية مقابل الانفتاح الدولي عليها ورفع العقوبات عنها وإعادة دمجها في محيطها الإقليمي.
غير أن الانتقال من مطلب ضبط الحدود إلى مطلب نزع سلاح "حزب الله" بالقوة يشكل قفزة هائلة يصعب تصور قبول دمشق بها، ليس فقط بسبب التداعيات العسكرية المحتملة، بل أيضاً لانعكاساتها السياسية داخل سوريا وخارجها.
فالسلطة السورية الجديدة تدرك أن الخوض في مواجهة مفتوحة مع "حزب الله" قد يحولها إلى طرف مباشر في الصراع الإقليمي، فيما لا تزال أولويتها الأساسية تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
العامل التركي
هنا يبرز عامل آخر لا يقل أهمية عن الموقف السوري نفسه، وهو الدور التركي المتعاظم في سوريا الجديدة.
فأنقرة تعدّ اليوم أحد أبرز الداعمين السياسيين والأمنيين والاقتصاديين للسلطة السورية الحالية، وهي تنظر إلى استقرار سوريا باعتباره مصلحة استراتيجية مباشرة لها. ومن هذا المنطلق، لا تبدو تركيا متحمسة لتحويل الأراضي السورية إلى منصة لمواجهة إقليمية جديدة بين إسرائيل و"حزب الله".
صحيح أن العلاقات التركية - الإسرائيلية تشهد مراحل من التباين والتقارب وفق الظروف، إلا أن أنقرة لا تبدو مستعدة لإعطاء إسرائيل هامشاً واسعاً لاستخدام الساحة السورية في مشروع يستهدف الحزب عسكرياً، لأن ذلك قد يهدد الاستقرار الهش الذي تحاول السلطة الجديدة تكريسه داخل البلاد.
وتدرك تركيا أن أي انفجار واسع على الجبهة السورية سيؤدي إلى تداعيات أمنية واقتصادية قد تمتد إليها مباشرة، وهو ما يجعل أولويتها أقرب إلى تثبيت الدولة السورية الجديدة منه إلى زجها في حروب الآخرين.
بين الرغبة والواقع
قد تعكس تصريحات ترامب رغبة أميركية وإسرائيلية في رؤية سوريا الجديدة تؤدي دوراً أكثر فاعلية في احتواء "حزب الله" وإضعاف قدراته، لكنها لا تعني بالضرورة أن دمشق وافقت على هذا الدور أو أنها قادرة على الذهاب إليه بالحدود التي يتمناها البعض.
فالفرق كبير بين منع التهريب وضبط الحدود من جهة، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع الحزب من جهة أخرى.
ومن هنا، قد يكون الأصح قراءة كلام ترامب باعتباره تعبيراً عن سقف أميركي مرتفع لما تريده واشنطن من سوريا الجديدة، لا وصفاً لخطة قائمة أو قرار اتخذ بالفعل. أما هل تقبل دمشق بدور يتجاوز حدود أمنها الداخلي؟ فذلك سؤال لا تزال الإجابة عنه معلقة بين حسابات الشرع وحسابات أنقرة، وموازين القوى المعقدة في المنطقة.
اسكندلر خشاشو -النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|