الصحافة

القضاء اللبناني: أهلًا بوفد التحقيق الأوروبي!

Please Try Again

ads




بعد بعض الأخذ والرد، قُضي الأمر، ومن المفترض أن تسير الأمور نحو تعاون السلطات القضائيّة اللبنانيّة مع وفد التحقيق الأوروبي الذي سيزور بيروت ابتداءً من يوم الإثنين المقبل، على أن تستمر مهمّته لغاية العشرين من الشهر الحالي، أي إلى نهاية الأسبوع التالي.

وعلى هذا الأساس، ستكون الطريق معبّدة بشكل طبيعي أمام الوفد لاستكمال جمع الشهادات وأدلّة من 25 مسؤولاً مصرفياً ومالياً، بمسائل تتعلّق بالتحقيقات حول شبهات تبييض الأموال والاختلاس والإثراء غير المشروع، التي تدور حول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وشقيقه رجا ومساعديهما. مع الإشارة إلى أنّ الوفد يضم قضاة تحقيق وكتبة وخبراء في العمليّات الماليّة ومكافحة تبييض الأموال من ثلاثة دول، هي فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ.

عويدات يفرض شروطه

كما كان متوقّعًا، كانت كلمة السرّ الأخيرة عند مدعي عام التمييز القاضي غسّان عويدات، بوصفه رأس النيابات العامّة التي تملك صلاحيّة التنسيق مع سلطات الادعاء الأجنبيّة.

وعلى هذا الأساس أبلغ عويدات السلطات القضائيّة في الدول الثلاث موافقته المبدئيّة على استقبال الوفد وتسهيل عمله في بيروت، مقابل وضع عمل الوفد ضمن إطار القوانين المحليّة، التي تفرض إدارة جلسات التحقيق من قبل أحد قضاة النيابة العامّة التمييزيّة، وبحضور المحققين الأجانب، الذين يملكون حق التنسيق مع القاضي اللبناني قبل الجلسة لتحديد الأسئلة. وتحت هذا السقف، بدأ التنسيق لتحديد مواعيد جلسات الاستماع للشهود الـ25، على مدى الأسبوعين المقبلين.

عمليّة تحديد المواعيد ستجري بما يسمح باختصار جلسات الاستماع مع الشهود، عبر عقد جلسة واحدة مع كل شاهد، بحضور المحققين الذين يمثّلون الدول الثلاث، عوض تكرار الجلسات مع محققي كل دولة على حدة. مع الإشارة إلى أنّ أي عمليّة توقيف لن تجري خلال الجلسات أو بعدها مباشرة، ولو بقرار من القضاء اللبناني، نظرًا لعدم استدعاء أي من المعنيين بالملف كمدعى عليهم.

لكن في الوقت نفسه، تشير المصادر القانونيّة إلى أنّ النيابة العامّة التمييزيّة ستملك صلاحيّة طلب الادعاء على الأشخاص المعنيين بالاستجوابات، تمامًا كما فعلت في مرحلة سابقة بحق سلامة وشقيقه ومعاونيهما (من دون أن تستجيب النيابة العامّة الاستئنافيّة في بيروت لهذا الطلب).

كما من الممكن أن تلجأ السلطات القضائيّة الأوروبيّة إلى تحويل بعض الشهود إلى قوائم المدعى عليهم، بعد العودة إلى أوروبا، في حال اقتنع المحققون بتواطؤ هؤلاء المتعمّد في عمليّات تبييض الأموال المشتبه بها. وهذا تحديدًا ما يفسّر إبداء جميع المسؤولين المعنيين بالتحقيقات الاستعداد للتجاوب مع الدعوات حتّى قبل إرسالها، نظرًا لخطورة التورّط كمدّعى عليهم في ملف ضخم وحسّاس كملف رياض سلامة القضائي.

في خلاصة الأمر، أبدى القاضي عويدات استجابة معقولة حتّى هذه اللحظة مع التحقيقات المرتقبة، ولم تخرج الشروط التي وضعها عن إطار القيود القانونيّة اللبنانيّة المفهومة، والتي لن تعرقل التحقيقات فعليًّا.

نطاق معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

التعاون مع هذه التحقيقات كان مُلزمًا بالنسبة إلى لبنان ضمن إطار معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي أقرّتها الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة عام 2003، وصادق عليها المجلس النيابي بقانون خاص عام 2003. ومن المعلوم أن المعاهدات الدوليّة تسمو في الالتزامات الناشئة عنها على ما عداها من تنظيمات وتشريعات محليّة، بما فيها القوانين المتعارضة معها.

حسب هذه المعاهدة، تخضع الشبهات التي تدور حول حاكم مصرف لبنان ومعاونيه لولاية السلطات القضائيّة في الدول الأوروبيّة الثلاث، بالنظر إلى مرور عمليّات تبييض الأموال بالأنظمة الماليّة لهذه الدول، في حين أن المادّة 42 من المعاهدة تعطي الولاية القضائيّة للدول التي يُرتكب الجرم في إقليمها.

وبهذا المعنى، وحتّى لو كانت الأموال المختلسة أموال عامّة لبنانيّة، فالدول الأوروبيّة تملك صلاحيّة التحقيق والحكم في هذه الجرائم بمجرّد مرور الحلقة الثانية من العمليّات المشبوهة، أي حلقة تبييض الأموال، ضمن المصارف الأوروبيّة. مع الإشارة إلى أنّ القوانين تميّز تبييض الأموال كجرم قائم بحد ذاته، منفصل عن الجرم الأساسي الذي تأتّت منه الأموال التي يتم تبييضها.

أمّا المادّة 46 من الاتفاقيّة نفسها، فتجيز طلب المساعدة القانونيّة المتبادلة بين الدول، بهدف الحصول على الأدلّة وأقوال الأشخاص، وتبليغ المستندات القانونيّة، وصولًا إلى تنفيذ عمليّات التفتيش والحجز وفحص المواقع وغيرها من أدوات التحقيق. وفي هذه الحالة، على عمليّة المساعدة القانونيّة والإجراءات القضائيّة أن تتم وفقًا لقوانين الدولة متلقية الطلب، أي لبنان في حالتنا الراهنة. وهذا تحديدًا ما سيجري من خلال إجراء التحقيقات في بيروت عبر قاضٍ لبناني، وبحضور المحققين الأجانب، وفقًا للقوانين اللبنانيّة.

وحسب المعاهدة، لا يمكن للبنان التذرّع بالسريّة المصرفيّة لرفض التعاون مع أي طلب خارجي للمعلومات الماليّة، بل وتفرض المعاهدة على الدول الموقعة عليها وضع إجراءات كفيلة بتخطّي حاجز السريّة المصرفيّة عند اللزوم، لملاحقة هذا النوع من الشبهات.

وهذا تحديدًا ما يفسّر التعاون السريع في تسليم الداتا المصرفيّة المتعلّقة بشقيق حاكم مصرف لبنان والحاكم نفسه للسلطات القضائيّة الأوروبيّة خلال المرحلة السابقة، رغم محاولة المصارف التملّص من هذه الخطوة بحجّة القيود التي يفرضها قانون السريّة المصرفيّة.

صفقة محتملة بين سلامة والقضاء الأوروبي؟

في خلاصة الأمر، من المفترض أن ينتج عن جولة اللقاءات المقبلة المزيد من المعطيات التي ستُضاف إلى ملفّات حاكم مصرف لبنان الموجودة بحوزة السلطات الأوروبيّة، بانتظار الوصول إلى مرحلة الادعاء ومن ثم البت بالشبهات التي تدور حوله. وفي حال تقدّم المحققين في مهمتهم الراهنة، قد نكون قريبًا أمام سيناريو وجود ادعاء قضائي أوروبي على الشخصيّة التي ترأس السلطة النقديّة في لبنان، ما سيمثّل حالة غير مألوفة في تاريخ المصارف المركزيّة.

وفي حال تقدّم هذه التحقيقات بسرعة، ثمّة من يشير اليوم إلى أنّ حاكم مصرف لبنان قد يلجأ إلى محاولة عقد تسوية مع الأجهزة القضائيّة الأجنبيّة، بما يسمح له بسداد غرامات ماليّة باهظة، مقابل وقف الملاحقات المرتبطة بشبهات تبييض الأموال، وإلغاء الحجوزات المفروضة على أملاكه وأمواله. فأولويّة السلطات القضائيّة الأوروبيّة اليوم هي التعامل مع قضيّة تبييض الأموال التي جرت داخل أوروبا، فيما لا تتم ملاحقة عمليّات الاختلاس في لبنان إلا بهدف تثبيت مفهوم غسل الأموال غير المشروعة على التحويلات في أوروبا. وفي حال حصول هذه التسوية، سيكون الخاسر الأساسي لبنان، مصدر الأموال العامّة المعنيّة بهذا الملف.
 

 علي نور الدين - المدن ads




Please Try Again