نواف سلام خط أحمر
يصور "حزب الله" حال رئيس الحكومة نواف سلام بعد مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران وكأنه يجلس في مكتبه في السراي الحكومي وحيدًا، كئيبًا، يضرب أخماسًا بأسداس وهو يرقب لحظة اقتحام غوغاء "الحزب" لمقر الرئاسة الثالثة، أو إسقاطه من إحدى "الدارات" السياسية، كما فعلوا عام 2011. وفيما فرغ السراي من الزوار والمتصلين، تركه العرب وهجره الأميركيون.
بيد أن نواف سلام ليس سعد الحريري، أكان على مستوى التكوين الشخصي، أو الخلفية السياسية، أو مقاربة الحكم وإدارة السلطة، أم من ناحية المتغيرات العميقة التي حصلت في لبنان والمنطقة وما أنتجته من توازنات، وإعادة ترسيم حدود معادلات النفوذ والحكم.
إحداها أن المرحلة التي كان فيها إسقاط الحكومات أداة سياسية تستخدم بفعالية ضمن معادلة الحكم لفرض النفوذ الموازي وإضعاف المؤسسات الدستورية، وإرساء توازنات داخلية تقوض مفهوم الدولة ولّت إلى غير رجعة، لترثها اليوم مرحلة مختلفة عنوانها إعادة الانتظام للمؤسسات الدستورية، وتثبيت منطق الدولة، ومنع تحويل الخلافات السياسية إلى فوضى دستورية أو أمنية.
يدرك رئيس الحكومة أن ما يحاك حوله إعلاميًا لا يتجاوز إطار الحرب النفسية ومحاولات التأثير على المناخ السياسي. لذلك يتعامل مع هذه الحملات بقدر كبير من الهدوء والثقة، مستندًا إلى شبكة واسعة من الشرعيات، وتقاطعات إقليمية ودولية، تبدأ بالرياض وتمر بباريس ولا تنتهي بواشنطن، ترى في استقرار حكومته مدماكًا أساسيًا في المرحلة الانتقالية التي يمر بها لبنان، ممزوجة بقدرته على ممارسة صلاحياته الدستورية بلا زيادة أو نقصان، وتمكنه من أدوات العمل السياسي كرجل دولة مقتدر.
حينما يفاتحه أحد المقربين بخبر يندرج ضمن حملة "الحزب" يبتسم ولسان حاله يقول "تعودنا على استفزازاتهم، ولو لم يفعلوا ذلك لاندهشنا". يعتصم بالصمت بالشراكة مع رئيس الجمهورية، لكنه ليس صمت التردد أو القلق، بل صمت العمل السياسي الهادئ. خلف الكواليس تدور اتصالات مكثفة ترعاها المملكة، وتركز على تثبيت دور الدولة كشريك أساسي وفاعل في اتفاق منفصل عن ذاك بين أميركا وإيران، يختص بالتراب الوطني، وإن كان يحاول توظيف مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لضبط "الحزب"، بما يسهم في تدعيم الموقف اللبناني على طاولة المفاوضات.
ومن وحي تمرّسه بالاتفاقيات والمصطلحات، تدلل أوساط الرئيس نواف سلام إلى خلو مذكرة التفاهم إياها من إشارات إلى لبنان ما خلا واحدة فقط تندرج ضمن إطار إيقاف الصراع، وتفسح المجال أمام الدولة لإثبات حضورها وليس العكس كما يروج "الحزب".
أكثر من ذلك، لا توجد قوة داخلية أو خارجية مستعدة لتحمل كلفة إسقاط حكومة نواف سلام. حتى الرئيس نبيه بري شريك "الحزب" "المفوض" يرفض أن يشارك أو يغطي أي انقلاب، وأعطى تعهدًا بذلك للسعودية التي صاغت معادلة واضحة وحاسمة عنوانها "موقع رئاسة الحكومة خط أحمر"، بما يعيد تعريف دورها كركن أساسي في معادلة الحكم لا يمكن تجاوزه أو استضعافه.
وبذا تطوي المملكة صفحة تقليد سياسي أدرجه حافظ الأسد لتحريف "الطائف"، وثبته "حزب الله" في "اتفاق الدوحة" على إيقاع "7 أيار"، وأمعن في استخدامه كأداة ضغط سياسية كبّلت رئاسة الحكومة وأعاقت انتظام الحياة السياسية. وبالتالي فإن إسقاط رؤساء الحكومات أو التهديد بذلك بات من المستحيلات، حتى ولو كان عبر مجلس النواب. ومعادلة "الشارع مقابل الشارع" التي أطلقها النائب فيصل كرامي من قلب طرابلس بمعرفة السعودية، رسالة سياسية تعكس دينامية ناشئة داخل شارع سني متحفز.
ومن يراقب أداء سلام خلال الأشهر الماضية، ولا سيما في القضايا التي مست مراكز نفوذ تقليدية وأركان الدولة العميقة، يقف بجلاء على أن الرجل يمارس صلاحياته الدستورية كاملة. غير أنه لا يوظفها لإنتاج زعامة شعبية، بل كرجل دولة ينسجم مع الإرث التاريخي للسنة بصناعة رجال الدولة، والتموضع خلفها، والعمل من داخل مؤسساتها.
والمعارك التي خاضها على المستويات الاستراتيجية والسياسية والإنمائية والإدارية، ومنها "مطار رينيه معوض" في القليعات حيث تغلب بصبر مشهود على العراقيل المفتعلة والضغوط المتعددة، تظهر قدرًا عاليًا من الثقة بالنفس والصلابة "المنتجة"، ممزوجة بالإصرار على تحويل النصوص الدستورية إلى ممارسة فعلية، وخصوصًا "اتفاق الطائف".
إحدى ركائز الأخير المحورية كان تسليم سلاح الميليشيات، وهو العنوان الذي تأبّطه الرئيس نواف سلام منذ تكليفه، وظهرت علائمه في صياغة البيان الوزاري، وشكل فيما بعد قوة الدفع التي جردت منظومة "الحزب" العسكرية والأمنية من الشرعية الحكومية والقانونية.
كذلك، ومن وحي الأجواء المونديالية، فإن الرئيس سلام بإمكانه توجيه بعض "الأكتاف القانونية"، من قبيل التلويح بعقبوة إدارية بحق الشيخ أحمد قبلان، أو أي موظف "كبير" آخر يجير موقعه لمصالح فئوية على حساب الأمانة الوظيفية، لزيادة منسوب الضغط على "الحزب"، ولإثبات أنه يمتلك مخزونًا هائلا من الأدوات السياسية والدولتية، ولإفهام "أبناء" الحرس الثوري مدى جديته في استخدامها عند اللزوم، وأنه ليس مضطرًا إلى الدفاع.
وعليه، فإن القَلِق ليس نواف سلام بل "الحزب" لأن من وظّف المتغيرات لطرده خارج الحدود الدولتية يستطيع توظيفها للانقلاب على انقلابه وبالقانون المستند إلى شارع متوثب، ومشروعيات أربع: داخلية، عربية، إقليمية، ودولية.
سامر زريق -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|