الصحافة

عادوا إلى قراهم ولم يجدوا بيوتهم: معالم الجغرافيا كلها اختفت

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

للمرة الثالثة منذ اندلاع الحرب، لا ينتظر أهل الجنوب قراراً رسمياً كي يعودوا إلى قراهم. لا ينتظرون بياناً من الدولة، ولا إشارة من جهة سياسية، ولا حتى اكتمال الترتيبات الأمنية. يكفي أن يلوح خبر عن هدنة، أو يتراجع هدير الطائرات قليلاً، حتى تبدأ السيارات بالتدفق نحو الطرقات الجنوبية.

كأنَّ الجنوب يمتلك جاذبية لا يمكن مقاومتها. وكأنَّ أهله، مهما ابتعدوا، يبقون مشدودين إليه بخيط لا يُرى. إلى البيوت التي تركوا مفاتيحها خلفهم، إلى الحقول التي لم تُقطف مواسمها، إلى أشجار الزيتون التي بقيت وحيدة في مواجهة الحرب، وإلى المقابر التي يرقد فيها آباء وأمهات وأبناء لا يمكن النزوح عنهم.

التعب والملل والخوف

هذه المرة أيضاً سبقت عودة الناس كل التحذيرات. ناشدت بعض البلديات الأهالي التريث، وحذّرت من أخطار ما زالت قائمة. لكنَّ التعب كان أثقل من التحذيرات، والحنين أقوى من الخوف. فهذه العودة لا تعبّر فقط عن تمسُّك الناس بأرضهم وإصرارهم على البقاء فيها، بل تكشف أيضاً مقدار التعب والإنهاك الذي راكمته الحروب في أرواحهم. كأنَّ الجنوبيين يقولون، من دون شعارات أو خطابات، إنّهم يريدون أن يعيشوا فحسب. ولو تُرك الأمر لهم، لاختاروا حياة هادئة في قراهم، بعيداً من الحروب كلها.

على الطرق المؤدية إلى القرى الحدودية، تبدو السيارات كأنّها قوافل عائدة إلى الذاكرة. عائلات كاملة تحمل ما تبقّى لها من أمل، وتتجه نحو المجهول الذي ينتظرها خلف التلال. بعضهم يعود ليطمئن إلى منزل، وبعضهم ليبحث عن صورة أو شجرة أو غرفة نجت من القصف، وبعضهم فقط ليتأكد أنَّ قريته ما زالت في مكانها. يراقب أحد الجنوبيين طابور السيارات المتجهة جنوباً ويقول: "المواطن بده يعيش. ما حدا سأل عنّه، لا الدولة ولا الحزب ولا حدا".

جملة تختصر مزاجاً عاماً يخيّم على الجنوب. فبعد أشهر طويلة من النزوح والخوف والترقب، لم يعد الناس يبحثون عن الشعارات الكبرى ولا عن الانتصارات المعلنة. يريدون حياة عادية فقط، حياة تشبه ما كانت عليه أيامهم قبل أن تصبح الحرب تفصيلاً يومياً.

تصل امرأة إلى جسر القاسمية فتقول: "رجعت الروح لنا". وبالقرب منها يردُّ رجل آخر: "ما فينا... بدنا نرجع، مشتاقين للجنوب". أما ثالث فيترك للفرح هامشاً صغيراً، قبل أن يستدرك بحذر الجنوبيين المُزمن: "إن شاء الله ما تخرق إسرائيل الهدنة... لأنهم غدارين".

العودة إلى قرى لم تعد تشبه نفسها

غير أنَّ العائدين يكتشفون سريعاً أنّهم لا يعودون إلى الجنوب الذي غادروه. كأنّ الحرب، في غيابهم، استبدلت القرى بأخرى تشبهها في الاسم فقط. في الهدنة الأولى كانت الصدمة كبيرة، أمّا اليوم فتبدو أكثر فداحة. فما نجا يومها لم ينجُ هذه المرة، وما بقي واقفاً سقط، وما ظنَّ الناس أنّه أفلت من النار التهمته الحرب لاحقاً.

قرىً كاملة تبدّلت ملامحها. شوارع اختفت تحت الركام. أحياء فقدت حدودها ومعالمها. وبيوت كان أصحابها يرددون بعد الهدنة الأولى: "الحمد لله، البيت زمط"، عادوا اليوم ليجدوا أنَّ البيت نفسه لم يعد موجوداً، أو لم يعد يصلح لأن يُسمى بيتاً.

في إحدى القرى، يترجل رجل من سيارته. ينظر طويلاً إلى ما حوله. يدور بعينيه بين أكوام الإسمنت والحجارة المبعثرة، ثم يسأل مرافقيه باستغراب حقيقي: "هذه كفرا؟". يصمت للحظات، كأنّه يبحث عن علامة مألوفة تنقذه من شكّه، قبل أن يضيف: "أظن أننا في قرية أخرى... لم أعرفها".

لم يكن السؤال عابراً. فالحرب هنا لم تكتفِ بتحطيم الجدران والأسقف، بل عبثت بجغرافيا الذاكرة نفسها. الأشجار التي كانت تدل على مفترق الطرق اختفت. المنازل التي كانت علامات للأحياء سويت بالأرض. الدروب التي حفظها الناس عن ظهر قلب لم تعد تقود إلى الأمكنة ذاتها. حتى أسماء القرى بدت أحياناً أكبر من قدرة المكان على حملها.

في الجنوب اليوم، لا يبحث العائدون عن منازلهم فقط، بل عن قراهم أيضاً. عن المشهد الذي تركوه خلفهم. عن تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح المكان هويته. لكنَّهم كثيراً ما يجدون أنفسهم أمام مساحة غريبة، مألوفة بالاسم فقط، فيما تبدو الذاكرة آخر ما بقيَّ من القرية التي كانت هنا.

صريفا... حين تُقصف الذاكرة

في صريفا، البلدة التي تعرَّضت لقصف عنيف تكاد تكون، في أجزاء واسعة منها، غير صالحة للحياة. يتجول أحد أبناء البلدة وسط الركام، يتفحص ما تبقّى من الشوارع والمنازل، ثم يقول بمرارة تختصر حجم الخراب: "منيح اللي بعدني عارف الطريق بصريفا".

فالذي تهدَّم هنا لم يكن البيوت وحدها. الحرب وصلت إلى الأماكن التي يُفترض أنها آخر ما يُمس. حتى المقابر لم تسلم. ثلاث جبانات تعرضت للتدمير، في مشهد بدا للكثيرين كأنه استهداف يتجاوز الحجر إلى الذاكرة نفسها.

بين القبور المحطمة والشواهد المكسورة، يتحدث رئيس بلدية صريفا، محمد نزّال، عن محاولة لمحو ما هو أعمق من الأبنية والطرقات. يقول: "يريدون محوَّ كل شيء يربطنا بالأرض".

ليست مجرد مقابر مهدَّمة بالنسبة إلى أبناء البلدة. هنا يرقد الآباء والأمهات والأقارب الذين شكّلوا ذاكرة المكان. هنا أسماء حُفرت على الشواهد منذ عقود، ثم جاءت الحرب لتبعثرها. كأنَّ القصف لم يكتفِ بملاحقة الأحياء في بيوتهم، بل امتدَّ إلى الموتى أيضاً، في محاولة لاقتلاع ما تبقّى من أثر يدل على أنَّ أناساً عاشوا هنا، وأحبّوا هذه الأرض، ودفنوا فيها أحلامهم وأعمارهم.

فرون... العودة السريعة والمغادرة الأسرع

في فرون، يختلف المشهد قليلاً، وإن لم يبتعد كثيراً عن قسوة الحرب. البلدة الواقعة على خط التماس المباشر تبدو كأنها معلقة بين زمنين، لا هي في الحرب بالكامل، ولا هي دخلت السلم فعلاً. هنا، لا يعود الناس ليستقروا، بل ليطمئنوا فقط. يفتحون أبواب منازلهم إن بقيت أبواب. يتفقدون ما خلّفه القصف. يلتقطون صوراً للخراب كي يُروها لمن لم يأتِ بعد. ثم يغادرون سريعاً.

من أطراف البلدة، يمتدُّ النظر نحو وادي الحجير. تظهر القنطرة والقصير في المشهد القريب. أمّا الطمأنينة، فلا تبدو في أيّ مكان. فالموقع الذي جعل فرون على تماس دائم مع الحرب، لا يزال يجعلها حتى اليوم قرية تتوجس من الغد، مهما ساد الهدوء.

يقول عبد رمضان، ابن البلدة: "الضيعة يمكن يسجلوها منكوبة. فيها دمار كثير، وأغلب البيوت ما عاد تنسكن. أُطلّ وأغادر، بانتظار تأمين المياه والكهرباء، وإيجاد بديل عن بيتي المدمّر حتى أستطيع العودة".

في فرون، لا تكمن المعضلة في الدمار وحده، بل في الحياة التي لم تعد ممكنة بعد. فحتى البيوت التي بقيت واقفة، تحتاج إلى ماء وكهرباء وطرقات وخدمات كي تصبح صالحة للسكن. لذلك، تبدو القرية اليوم كأنها تستقبل أبناءها لساعات فقط، قبل أن تودّعهم مجدداً، على أمل أن تكون العودة المقبلة أطول من مجرد زيارة إلى الركام.

ما الذي يمكن إنقاذه؟

تقف حياة سويدان أمام منزلها للمرة الأولى منذ انتهاء المعارك. لا تعرف من أين تبدأ النظر. كل شيء أمامها يبدو كأنَّه نسخة واحدة من الفقد: الركام نفسه، الرماد نفسه، الصمت نفسه. تحاول أن تبحث بين ما تبقى عن علامة صغيرة تقودها إلى حياة كانت هنا قبل الحرب، قطعة أثاث، صورة، إطار خشبي، أو حتى تفصيل يثبت أنَّ هذا المكان كان بيتاً يوماً ما.

لكنَّ الركام، بطبيعته، لا يعترف بالتفاصيل. كل شيء متشابه حين يسقط. تقول بصوت متعب أكثر مما هو حزين: "صعبة توصفي إحساسك. لم أستطع أن أنقذ شيئاً. خسرت كل شيء بالبيت. لكن الحمد لله لم نخسر بعضنا البعض".

في الجنوب اليوم، تتكرر هذه الجملة كأنّها صيغة نجاة جماعية. ليست مجرد مواساة فردية، بل طريقة للقول إنَّ ما تبقّى يكفي للبدء من جديد، ولو من تحت الصفر. فقد الناس بيوتهم وأرزاقهم وذاكرة أعمار كاملة، لكنّهم في اللحظة نفسها تمسّكوا بما لا يُرى: العائلة، والنجاة، وإمكانية الاستمرار رغم كل ما انكسر.

صور الشهداء فوق الركام

في معظم القرى الجنوبية، يلفت الانتباه مشهد يتكرر كأنّه صار جزءاً ثابتاً من المشهد العام بعد الحرب: صور الشهداء. صور كبيرة رُفعت فوق الأنقاض، وأخرى عُلقت على جدران لم تعد كاملة، نصفها مهدَّم ونصفها الآخر ما زال يقاوم السقوط. وحتى المضايف التي نُصبت لاستقبال المعزين أو الزوار، ظهرت أحياناً في قلب الركام، كأنّ الحياة تحاول أن تستمر داخل الدمار نفسه، لا خارجه.

في أحد المشاهد، يقف أبٌ في تشييع ابنه الشهيد. لا يبدو أنّه يخاطب الحاضرين بقدر ما يخاطب غياباً أكبر منه. يقول لـِ "المدن" إنَّ ابنه كان يردد: "صودف أنَّهم هم يقاتلون، أريد أن قاتل معهم. المهم قاتل إسرائيل، مع مين ما كان".

اليوم التالي

لكن خلف مشاهد العودة والأسى، يبرز سؤال آخر لا يمكن تأجيله: ماذا بعد؟ كيف ستعود القرى إلى الحياة؟ مَن سيعيد بناء المنازل التي سقطت دفعة واحدة؟ مَن سيعوض المزارعين الذين فقدوا مواسمهم وأرضهم؟ ومَن سيتكفل بترميم ما لا يظهر في التقارير ولا في الصور: الذاكرة، والخوف، وشعور الاقتلاع الذي تركته الحرب في النفوس قبل البيوت؟

في بعض البلدات، بدأت إجابة جزئية تتشكل من تحت الركام نفسه. الناس يجمعون الحديد المتبقي من المنازل المدمَّرة، يفرزونه من بين الإسمنت والحجارة، ثم يبيعونه. أكوام من القضبان المعدنية الملتوية تتحول إلى مصدر رزق محدود، كأنّها آخر ما يمكن انتزاعه من الحرب من دون العودة إليها.

يباع طن الحديد بنحو 270 ألف ليرة، في محاولة قاسية لانتزاع قيمة صغيرة من بين خراب كبير. هكذا تبدأ إعادة الإعمار الأولى: لا بآليات الهندسة ولا بورش البناء، بل بفرز ما تبقّى من الدمار نفسه، وتحويله إلى ما يشبه إمكانية للعيش.

فالجنوب الذي يعود إليه أهله اليوم ليس هو الجنوب الذي غادروه. تغيّرت ملامحه، وانكسرت خرائطه، وتقدَّم فيه الخراب على كل شيء. لكنّه، رغم ذلك، لا يزال المكان الذي يريدون العيش فيه، ولو على حافة الممكن.

وربما لهذا السبب تحديداً يعودون دائماً،لا لأنَّ الحرب انتهت فعلاً، بل لأنَّهم تعبوا من انتظار نهايتها.

نغم ربيع -المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا