عندما يحاضر "حزب الله" بالـ10,452 كم²!
في السياسة كما في التاريخ، ليست كل الشعارات متساوية، فهناك شعارات وُلدت من رحم النضال، وأخرى تُرفع عند الحاجة ثم تُطوى عند انتهاء المهمة، ومن بين أكثر المفارقات إثارة للسخرية، أن يصبح "حزب الله" فجأة من أشد المتحمسين للحديث عن "لبنان الـ10,452 كم²"، بعدما أمضى أربعة عقود وهو يتصرف على قاعدة أن حدود مشروعه تتجاوز حدود الجمهورية اللبنانية نفسها.
فالحزب الذي خاض حروبًا خارج الحدود، وربط قراره العسكري والاستراتيجي بمحور إقليمي تقوده طهران، واستخدم لبنان منصة متقدمة في صراعات الشرق الأوسط، يحاول اليوم أن يرتدي ثوب المدافع عن الدولة والسيادة والحدود، وكأن اللبنانيين نسوا أن أدبياته الأولى كانت تتحدث عن "ولاية الفقيه" أكثر مما كانت تتحدث عن لبنان.
وفي هذا السياق، فصل المؤرخ الدكتور عماد مراد عبر "نداء الوطن" في الخلفية التاريخية لمفهوم لبنان الـ10,452 كم²، موضحًا أن هذه المساحة ليست مجرد رقم جغرافي، بل تمثل مشروعًا وطنيًا متكاملا.
فقسم مراد تاريخ نشوء الكيان اللبناني إلى مراحل متعاقبة، موضحًا أن "الـ10,452 كم² هي عنوان مشروع وطني شكّل أحد أبرز إنجازات البطريرك الياس الحويك".
أضاف أن الحويك "لم يبتدع حدودًا جديدة للبنان، بل عمل على إعادة ضم المناطق اللبنانية التاريخية المحيطة بمتصرفية جبل لبنان، لينتقل من حدود المتصرفية التي لم تتجاوز نحو 3500 كم² إلى دولة لبنان الكبير بمساحتها الحالية".
وتابع أن هذا الكيان "ترسخ لاحقًا مع الاستقلال بقيادة بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث اقتنع اللبنانيون تدريجيًا بأن لبنان الـ10,452 كم² يجب أن يكون وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه".
وإذ لفت إلى أن أولى التحديات التي واجهت هذا المشروع ظهرت مع صعود المد الناصري في خمسينيات القرن الماضي، قال إن الرئيس كميل شمعون نجح يومها في مواجهته سياسيًا بدعم من حزب الكتائب اللبنانية بقيادة بيار الجميّل.
واستطرد مراد موضحًا أن الخطر الأكبر على الكيان اللبناني جاء مع اندلاع الحرب عام 1975، حيث تراجع مفهوم الدولة الواحدة، وبرزت مشاريع التقسيم والانتماءات الخارجية، وتحولت المناطق إلى كيانات شبه مستقلة لكل منها سلطتها واقتصادها وقوتها العسكرية.
وأكد أن "الرئيس المنتخب بشير الجميّل أعاد بعد سبع سنوات من الحرب إحياء فكرة لبنان الـ10,452 كم²، في وقت كانت البلاد مقسمة فعليًا، معيدًا التأكيد على وحدة الأرض اللبنانية وضرورة الحفاظ على الكيان اللبناني الواحد".
وشدد على أن "بشير أعطى جرعة حياة لفكرة كانت تبدو وكأنها تحتضر، وأعاد الأمل إلى اللبنانيين المؤمنين بالدولة والتعايش والوحدة الوطنية".
وأشار إلى أن هذا الحلم لم يعش طويلا، إذ اغتيل الجميّل بعد واحد وعشرين يومًا فقط من انتخابه رئيسًا للجمهورية، إلا أن فكرة لبنان الكبير بقيت حاضرة في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين.
وقال: "اتفاق الطائف أنهى الحرب وثبّت وحدة لبنان ضمن حدوده المعترف بها دوليًا، رغم مرحلة الوصاية السورية التي أعقبته، لافتًا إلى أن كيان الـ10,452 كم² بقي قائمًا حتى انتهى الوجود العسكري السوري بعد انتفاضة الاستقلال عام 2005".
أضاف أن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعه من انتفاضة 14 آذار أعادا إحياء مفهوم لبنان أولا بوصفه تعبيرًا جديدًا عن التمسك بلبنان السيد المستقل ضمن حدوده الكاملة.
وعن الواقع الراهن، قال مراد إن "حزب الله" يحاول اليوم تبني خطاب الدولة والحديث عن لبنان الـ10,452 كم²، إلا أن هذا الخطاب يتناقض، بحسب منتقديه، مع مسيرته العقائدية منذ تأسيسه، باعتباره جزءًا من مشروع إقليمي مرتبط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأوضح أن رفع "الحزب" لشعارات حدود الدولة اللبنانية لا يعكس بالضرورة تحولا حقيقيًا في رؤيته السياسية، بل يهدف إلى استقطاب شرائح لبنانية، ولا سيما داخل البيئة المسيحية، بعد التراجع الذي أصاب صورته نتيجة الحرب الأخيرة.
وختم مراد بالتأكيد أن اللبنانيين المؤمنين فعلا بالدولة قادرون على التمييز بين من جعل لبنان الـ10,452 كم² مشروعًا نهائيًا وثابتًا، وبين من يستخدم هذا الشعار كخطاب سياسي ظرفي، لأن الإيمان بلبنان لا يقاس بالشعارات، بل بالممارسة السياسية الفعلية.
بالمختصر، حدود الدولة ليست لافتة تُرفع عند الخسارة وتُخفى عند فائض القوة، والسيادة ليست خطابًا يُستخدم لتخفيف آثار حرب إسناد خاسرة أو لاستعادة جمهور متردد، فبين من دفع الدم دفاعًا عن الدولة، ومن وضع الدولة في آتون مشروعه الفاشل، تبقى المسافة أبعد بكثير من مجرد 10,452 كم².
ريشار حرفوش - "نداء الوطن"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|