الصحافة

بين المُر والأمرّ... هل "المناطق التجريبية" هي الممر الإجباري للدولة؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تكن جولات المفاوضات الأخيرة في واشنطن مجرد محطة عادية في مسار البحث عن تهدئة، بل شكّلت نقطة تحول جذري في طبيعة "الهندسة الأمنية" التي يحاول البيت الأبيض فرضها على جنوب لبنان.

خلف كواليس العاصمة الأميركية، وبعيداً عن الخطابات الدبلوماسية التقليدية، وُضع على الطاولة طرحٌ استخباراتي وعسكري يتردد صداه بقوة في أروقة القرار في بيروت وتل أبيب: إنشاء "المناطق التجريبية" (Pilot Zones) بإشراف "خلية مراقبة رباعية".

هذا الطرح يتأرجح في قراءات العواصم بين كونه "ممرًا إجبارياً لالتقاط الأنفاس وانتزاع السيادة من المحور الإيراني"، أو "فخاً أمنياً لتكريس واقع مجزأ وقضم الأرض بالمفرّق"، فكيف تفكك المصادر الرسمية والدبلوماسية خفايا هذا المقترح؟ وأين تكمن شياطين التفاصيل الجغرافية؟

بحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية عقب جولات التفاوض في واشنطن، فإن الطرح يقوم على صياغة ترتيبات مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية لمنع أي أطراف إقليمية من استخدام الساحة اللبنانية كورقة تفاوض، وينص الاتفاق المبدئي المقبول أميركياً على السيطرة الحصرية للجيش (Exclusive Control) ، وأن يتولى الجيش اللبناني وحده دون سواه السلطة العسكرية والأمنية المطلقة داخل هذه البقع التجريبية، مع الاستبعاد التام والكامل لجميع الأطراف غير الحكومية، في إشارة حاسمة لإخلاء سلاح "حزب الله" وبناه التحتية.

وفي السياق اقترح الجانب اللبناني رسمياً أن تشمل "المنطقة التجريبية الأولى" بقعة جغرافية محددة تضم بلدات زوطر الشرقية، زوطر الغربية، يحمر، والمحيط الجغرافي لقلعة الشقيف، معتبراً أن هذا الاتفاق "قد يكون الفرصة الأخيرة" مستنداً إلى تعهدات الرئيس دونالد ترامب لضمان استدامته.

وتقاطعت هذه المعطيات مع ما كشفه مصدر دبلوماسي أن هذا الطرح يمثل نهج وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) المعروف بـ "بقعة الحبر" (Inkspot)؛ القائم على ضخ قدرات الجيش اللبناني في بقعة صغيرة ومحدودة أولاً للتأكد من خلوها من السلاح، ثم التوسع تدريجياً كما ينتشر الحبر على الورق.
على المقلب الآخر، فككت "القناة 12 الإسرائيلية" وصحيفة "The Times of Israel" طبيعة المقاربة العبرية لهذا الطرح، حيث تبين أن الوفد الإسرائيلي حمل إلى واشنطن خرائط تحدد مناطق معينة لـ"انسحاب تجريبي ومرحلي مشروط".

وتطرح تل أبيب هذه الآلية تحت عنوان "إجراءات بناء الثقة" وربطها بمدى التزام الطرف الآخر بوقف النيران، بحيث تنسحب القوات الإسرائيلية جزئياً من نقاط توغلها الحالية في بلدات مثل زوطر ويحمر، لتراقب عبر إشراف أميركي مباشر قدرة الجيش اللبناني على منع إعادة ظهور أي عتاد عسكري للحزب، على أن يبقى الانسحاب الشامل والأوسع معلقاً بانتظار "صك النجاح" من اللجنة الدولية الرباعية.

في التاريخ القريب، نكتشف أن صيغة "المناطق التجريبية" هي آلية كلاسيكية تلجأ إليها القوى الكبرى لتفكيك الأزمات المستعصية عبر "تجزئتها". لكن الميدان في تجارب دولية مريرة أثبت أن هذه الجزر الأمنية غالباً ما تحولت إلى "أفخاخ موت" أو "أدوات قضم صامت" لصالح الطرف الأقوى، وهناك ثلاث تجارب تاريخية بارزة تحمل دروساً قاسية للبنان.
- البوسنة والهرسك (سربرنيتسا 1993)حيث أعلنت الأمم المتحدة البلدة كـ"منطقة تجريبية آمنة"، وأُجبر المقاتلون البوسنيون على تسليم سلاحهم للقوات الدولية مقابل تعهد بحمايتهم.
- سوريا ، حيث أنتج مسار "أستانا" 4 مناطق تجريبية لـ"خفض التصعيد". وبدلاً من مواجهة شاملة، جرى عزل كل منطقة جغرافياً وتجميد جبهتها مؤقتاً.
- كولومبيا (المناطق المنزوعة السلاح 1998)، منحت الحكومة منظمة "فارك" المسلحة منطقة تجريبية منزوعة السلاح لإثبات حسن النية وتسهيل السلام.

بالعودة الى لبنان، اختيار بلدات زوطر، يحمر، وقلعة الشقيف لم يكن عشوائياً، وبحسب تحليلات صحيفة "The New Arab" ، تبرز الأهمية الإستراتيجية الفائقة لنقاط المرحلة الأولى لكونها مناطق حاكمة جغرافياً ومطلة مباشرة على مجرى نهر الليطاني وعلى مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، والسيطرة عليها تعني عملياً التحكم بخطوط الإمداد والتنقل العسكري.

وتشيرمصادر دبلوماسية إلى أنه في حال نجاح تجربة السيطرة الحصرية للجيش في بقعة زوطر-يحمر، فإن المقترح يلحظ التوسع تدريجياً نحو مناطق أخرى شمال "الخط الأصفر" في القطاع الغربي، وتحديداً بلدات مجدل زون وزبقين، أو البلدات المشرفة على وادي السلوقي الإستراتيجي.

لكن هنا تكمن عقدة الخلاف الجوهري حول الخرائط التي واكبت كواليس "الجولة الخامسة" للمفاوضات برئاسة دان هولر ، مستشار روبيو، فلبنان يصر على أن التجربة تبدأ بانسحاب إسرائيلي مسبق وكامل من الأراضي التي احتلتها مؤخراً ليدخلها الجيش.

إسرائيل تريد البدء باختبار الجيش في مناطق تقع شمال نهر الليطاني وخارج نطاق توغلها الحالي، دون أن تلتزم بانسحاب فوري من الخطوط الأمامية.

هذا التناقض الجغرافي هو ما يفجر نقاشاً سياسياً حاداً في الداخل؛ فقد حذر مراقبون عسكريون من أن نموذج التقييم المشروط قد يمنح إسرائيل الذريعة القانونية لإطالة أمد بقاء قواتها بحجة أن "التجربة لم تنجح بنسبة 100%"، وتحويل الجيش اللبناني إلى مجرد "قوة إخلاء" للسلاح.

وهو ما ترجمه علناً الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، بجزم قاطع بأن هذه الصيغة "تمنح إسرائيل سياسياً ما عجزت عن تحقيقه عسكرياً وثنائياً في الميدان"، معلناً الرفض المطلق لتفكيك السلاح تحت مسمى مناطق تجريبية، ومتمسكاً بالوقف الشامل والانسحاب الفوري.

بين المُر والأمرّ هل "المناطق التجريبية" هي الممر الإجباري للدولة؟
أمام هذه الأفخاخ التاريخية والرفض الميداني، يبرز السؤال الوجودي والأكثر واقعية في الصالونات السياسية، هل يملك لبنان ترف الرفض البديل، أم أننا أمام الممر الإجباري الوحيد المتاح؟

الواقعية السياسية التي يتحدث عنها الخبراء تفيد بأن خيارات لبنان اليوم لم تعد بين السيئ والأفضل، بل بين المُر والأمرّ، فرغم محاذير هذا الطرح، يرى المدافعون عنه لا سيما أوساط خط بعبدا والمعارضة السيادية أنه الأداة التنفيذية الوحيدة المتاحة لكسر حلقة السيطرة الإقليمية الإيرانية واستعادة قرار الدولة، بناءً على الحيثيات التالية، شرعنة البديل وسحب الذرائع.
إن رفض هذا النموذج يعني حتماً استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة، وتحويل الجنوب بالكامل إلى أرض محروقة، وإبقاء القرار اللبناني رهينة لطاولة المفاوضات الإيرانية-الأميركية لاستخدامه كورقة ضغط لتحسين شروط ملف طهران النووي، في المقابل، فإن تطبيق الخطة يوفر غطاءً دولياً ومالياً فورياً لتمويل الجيش وانتشاره، ليثبت للداخل والخارج أن الشرعية قادرة على ملء الفراغ، مما يسحب الذريعة من إسرائيل لمواصلة التدمير، ومن طهران للاستمرار في الرعاية المسلحة.

تعهدات الإدارة الأميركية الجديدة، لضمان عدم السقوط في فخ "التقييم المزاجي الإسرائيلي"، كشفت الكواليس استناد لبنان إلى تعهدات مباشرة وحاسمة من الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، الضمانة هنا هي رغبة إدارة ترامب في تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع ومستدام في الشرق الأوسط، مما يفرض على واشنطن الضغط على تل أبيب للانسحاب، لأن فشل الخطة يعني فشل أول اختبار للدبلوماسية الأميركية الجديدة.

الشرق الأوسط لا يُدار بالنوايا، بل تحكمه جدران المصالح الجغرافية الصلبة، فكرة "المناطق التجريبية" وإن بدت ملغومة على وريقات التاريخ، إلا أنها تمثل اليوم "قارب النجاة الوحيد" المتاح على طاولة الخيارات القسرية لنقل الجنوب من "ساحة بريد إقليمية" لخدمة المحور الإيراني، إلى كنف الشرعية والدولة. لينتهي المشهد عند السؤال الأكثر عمقاً: هل تنجح الدولة اللبنانية في اقتناص الفرصة الأخيرة وفرض سيادتها الحصرية، أم أن شياطين الخرائط ستلتهم ما تبقى من الوطن؟

مارغوريتا زريق -الكلمة أونلاين 
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا