رابطة العاملين فى اللبنانية: إضراب تحذيري بدءًا من 30 الحالي ولغاية 2 تموز
حكاية إبراهيم الأمين مع الأمير يزيد بن فرحان والدولة
هناك مقالات تُكتب لتحليل الوقائع، وهناك مقالات تُكتب عندما يشعر أصحاب مشروع سياسي بأن الأرض تهتز تحت أقدامهم وأن الوقائع لم تعد تخدمهم. مقال إبراهيم الأمين الأخير ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. فهو لا يقرأ ما يجري في لبنان بقدر ما يحاول تبرير أزمة مشروع سياسي يواجه للمرة الأولى تحدياً جدياً عنوانه: عودة الدولة اللبنانية إلى الواجهة.
منذ السطر الأول وحتى السطر الأخير، يحاول الأمين تقديم الأمير يزيد بن فرحان على أنه النسخة السعودية عن ضباط الوصاية السورية الذين حكموا لبنان لعقود. وهي مقارنة لا تصمد أمام أي فحص جدي. فالوصاية السورية كانت أجهزة أمنية وضباط مخابرات واعتقالات وقرارات تُفرض بالقوة. أما الأمير يزيد بن فرحان فهو موفد سياسي يعمل بشكل علني ومعلن ضمن إطار العلاقات الطبيعية بين دولتين. لكن أصحاب هذا الخطاب يحتاجون دائماً إلى خصم خارجي جديد، لأن الاعتراف بالأزمة الحقيقية يعني الاعتراف بفشل مشروعهم السياسي.
والمفارقة أن الأمين لا يقدم دليلاً واحداً على الاتهامات التي يطلقها. يتحدث عن إدارة سعودية للبنان، لكنه يعجز عن ذكر واقعة واحدة تثبت أن المملكة تدير المؤسسات اللبنانية أو تتحكم بقراراتها أو تفرض خياراتها بالقوة. بل إن مقاله يقع في تناقض فاضح، إذ يصوّر السعودية كقوة مطلقة تتحكم بكل شيء، ثم يعترف في الوقت نفسه بأنها فشلت في القضاء على الحريرية، وفشلت في خلق زعامة سنية بديلة، وفشلت في عزل حزب الله، وفشلت في تفكيك تحالفاته. فإذا كانت السعودية بهذه القوة الأسطورية، فلماذا فشلت؟ وإذا كانت عاجزة عن تحقيق هذه الأهداف، فأين هي الوصاية التي يتحدث عنها؟
لكن جوهر المشكلة لا يتعلق بالسعودية أصلاً.
جوهر المشكلة أن حزب الله يواجه اليوم واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي اعتاد عليه لسنوات طويلة. فبعد عقود من فرض المعادلات على الدولة اللبنانية، يجد نفسه أمام سلطة سياسية تحاول استعادة دور المؤسسات، وأمام مزاج لبناني متزايد لم يعد يقبل باستمرار واقع الدولة الضعيفة ومصادرة قرارها.
ولهذا السبب تحديداً، تحوّل الخطاب السياسي والإعلامي القريب من الحزب إلى حملة منظمة تستهدف كل من يتمسك بالدولة. فبدلاً من مناقشة فكرة حصرية السلاح بيد الشرعية، يجري تخوين من يطالب بها. وبدلاً من النقاش حول دور المؤسسات، يجري التشكيك بشرعية المؤسسات نفسها. وبدلاً من الإجابة عن الأسئلة الصعبة، يجري اختراع معارك جانبية مع السعودية أو غيرها.
ومن هنا يمكن فهم الحملة المستمرة على رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. فالمشكلة بالنسبة إلى هذا الفريق ليست في أداء الرجلين بقدر ما هي في ما يمثلانه. إنهما يمثلان عودة الدولة إلى موقع القرار. ولذلك يصبح المطلوب تشويههما وربطهما بالخارج وتصويرهما كأدوات سعودية أو أميركية، تمهيداً لنزع الشرعية عن أي سلطة لا تخضع بالكامل لمعادلات الحزب.
هذه ليست معارضة سياسية طبيعية، بل محاولة لقلب الوقائع. فبدلاً من أن يكون النقاش حول من يحتفظ بالسلاح خارج الدولة، يصبح النقاش حول “خيانة” من يدافع عن الدولة. وبدلاً من أن يُسأل الحزب عن سبب استمرار ازدواجية القرار، يصبح المطلوب من الدولة أن تبرر حقها في ممارسة سلطتها.
ولهذا يتهرب إبراهيم الأمين من السؤال الوحيد الذي يشغل اللبنانيين فعلاً: هل يجب أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية أم لا؟
لا نجد جواباً.
لا نجد نقاشاً حول الدولة.
لا نجد نقاشاً حول المؤسسات.
لا نجد نقاشاً حول كيفية بناء سلطة واحدة وقرار واحد.
نجد فقط هجوماً على كل من يدعم هذا المسار.
أما الحديث عن أن السعودية أصبحت “الخطر الأكبر على لبنان”، فهو محاولة مكشوفة للهروب من الوقائع. فاللبنانيون يعرفون جيداً من عطّل الاستحقاقات الدستورية، ومن شلّ المؤسسات، ومن فرض على الدولة معادلات لم تكن قادرة على رفضها، ومن جعل مصير لبنان مرتبطاً بصراعات إقليمية دفعت البلاد أثمانها السياسية والاقتصادية والأمنية.
والأخطر أن بعض الأوساط القريبة من حزب الله تتصرف اليوم وكأنها خرجت من التطورات الإقليمية الأخيرة في موقع المنتصر، وتحاول استثمار هذا الانطباع لإطلاق هجمة مرتدة على الدولة اللبنانية. ولذلك نشهد تصعيداً سياسياً وإعلامياً يستهدف رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومؤسسات الدولة، في محاولة واضحة لإعادة إنتاج التوازنات التي سادت خلال السنوات الماضية.
لكن ما يبدو أن إبراهيم الأمين وفريقه لم يدركوه بعد هو أن اللبنانيين تغيّروا. لقد تعبوا من الرهانات المفتوحة على حروب المنطقة، ومن دفع أثمان المشاريع الإقليمية، ومن الانقسامات الدائمة ومنطق الدولة الضعيفة. ولم يعد يهمهم من يعلن النصر ومن يعلن الهزيمة، بقدر ما يهمهم وجود دولة تحميهم، ومؤسسات تعمل، وقانون يسري على الجميع.
ولهذا السبب فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين السعودية وحزب الله. المعركة الحقيقية هي بين مشروعين: مشروع يريد دولة واحدة وسلطة واحدة وقراراً واحداً، ومشروع آخر لا يزال يعتقد أن بإمكانه إدارة لبنان من فوق الدولة وتحت سقف شعارات استهلكها اللبنانيون ولم تعد تقنع أحداً.
باختصار، لم يكن مقال إبراهيم الأمين هجوماً على السعودية بقدر ما كان دفاعاً عن مشروع سياسي يشعر بأن نفوذه يتراجع. ولذلك جاء مليئاً بالمبالغات والاتهامات ومحاولات قلب الوقائع. أما الحقيقة التي يحاول الهروب منها فهي أن اللبنانيين لم يعودوا يبحثون عن وصاية جديدة أو محور جديد أو انتصار جديد. اللبنانيون يبحثون عن دولة، وهذه هي المعركة التي ستحدد مستقبل لبنان في السنوات المقبلة.
ميشال قنبور -“ليبانون ديبايت”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|