الصحافة

لماذا يقبل حزب الله سويسرا ويرفض واشنطن؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في خطاب حزب الله السياسي برزت مفارقة لافتة: انفتاح ضمني على تقديم تنازلات في مسار تفاوضي يضم واشنطن وطهران وإسرائيل في سويسرا، مقابل تشدد معلن ورفض لأي مرونة على طاولة واشنطن حيث تجلس الدولة اللبنانية. هذه الازدواجية ليست وليدة تكتيك ظرفي، بل تعكس قراءة الحزب لموازين القوى وهويته الأيديولوجية.

منذ نيسان 2026، تكررت الإشارات إلى مفاوضات أميركية-إيرانية ترمي إلى اتفاق أوسع يشمل وقف إطلاق النار في لبنان. في سويسرا، جرى إدراج جلسة خاصة بإسرائيل وحزب الله ضمن مفاوضات واشنطن وطهران. بالنسبة للحزب، هذه الطاولة ليست حصرا أميركية، بل ثلاثية: واشنطن تريد اتفاقاً خلال 60 يوماً، طهران تمسك بورقة حزب الله، وإسرائيل الطرف الغائب-الحاضر.


هنا يرى الحزب نفسه جزءاً من "محور" تفاوضي. إيران تضع ملف لبنان شرطاً لأي اتفاق مع واشنطن، وتربط إنهاء الحرب في المنطقة بوقفها في لبنان. من هذه الزاوية، سويسرا تمنح الحزب غطاءً إيرانياً: التنازلات تُقدَّم باسم المحور، لا باسم الدولة اللبنانية. حتى أن مبعوث حزب الله عبدالله صفي الدين شارك في اجتماعات بورغنستوك، ما يعني اعترافاً ضمنياً بأن الحزب لاعب إقليمي لا محلي فقط.

في المقابل، عندما تُطرح المفاوضات في واشنطن بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، يتعامل الحزب معها كاستحقاق سيادي مرفوض. النائب علي فياض، أعلن رفض حزب الله للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل. رئيس كتلة الحزب النيابية النائب محمد رعد ذهب أبعد: "على السلطة أن تخجل من شعبها وتنسحب مما سمي مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني".

في واشنطن تتفاوض الدولة اللبنانية، والخارجية الأميركية ترعى. من منظور الحزب، هذه الطاولة تجمع "أعداءه جميعاً": الدولة التي تسعى لنزع سلاحه، الولايات المتحدة التي يصفها بـ"الشيطان الأكبر"، وإسرائيل. أي تنازل هنا يُقرأ داخلياً كاعتراف بشرعية الدولة وبالتطبيع. لذلك يرفعه إلى مستوى "خطيئة وطنية" تزيد الشرخ بين اللبنانيين.

يأتي تصريح النائب حسن فضل الله ليؤطر المنطق الشعبوي: الدولة "تقدم المزيد من التنازلات لإسرائيل"، وبالتالي لا شرعية لأي اتفاق تمرره. هذا الخطاب يستبق النتائج ويضع فيتو سياسياً. المفارقة أن الحزب نفسه يطالب الدولة بالذهاب إلى طهران لتكون إلى جانبها في سويسرا، لأن "أوراق طهران هناك أقوى". أي أن التنازل ممنوع إذا كان عبر بيروت-واشنطن، ومقبول إذا كان عبر طهران-سويسرا.


مكسب الحزب في مسار سويسرا هو تحويل ورقة الجنوب إلى مكاسب إقليمية تُحسب لإيران ولمحور المقاومة. أما في واشنطن فالمكسب الظاهر هو للدولة اللبنانية، بينما الخسارة تقع على الحزب: خسارة احتكار السلاح والقرار السيادي في الحرب والسلم. وعندما يكون التفاوض عبر طهران، يُسوَّق داخلياً تحت شعار "نفاوض باسم الأمة" ويُقدَّم كعمل مقاوم. أما إذا كان عبر بيروت وواشنطن، فيتحول الخطاب إلى "لا تفاوض مع العدو"، ويُصنَّف أي تنازل كخيانة وطنية. رغم كل حديث الهدنة، إسرائيل تواصل ضرباتها على جنوب لبنان، وتعلن أن قواتها لن تنسحب. حتى مع تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع، سقط شهداء بغارات إسرائيلية. الحزب يستخدم هذا الواقع ليقول إن "الهدنة لا معنى لها" ما دامت إسرائيل في الجنوب. لكنه في الوقت نفسه يشارك في مسار سويسرا الذي يفترض أن ينتج الآلية نفسها: وقف نار وانسحاب.

في قطاف المواقف، لا يرفض حزب الله مبدأ التنازل، بل يرفض عنوانه ومكانه. سويسرا تمنحه شراكة في مشروع إقليمي تقوده إيران، فتبدو التنازلات "انتصاراً للمحور". واشنطن تفرض عليه الجلوس كطرف لبناني تحت سقف الدولة، فتبدو التنازلات "استسلاماً للعدو". لذلك يقبل الأولى ويرفض الثانية، حتى لو كان المضمون التفاوضي متشابهاً: وقف إطلاق نار، انسحاب إسرائيلي، ترتيب أمني جنوباً.

بهذا المعنى، المشكلة ليست في "ورقة سويسرا" بل في من يمسك القلم: طهران أم بيروت. وطالما أن إسرائيل لم تلتزم والضحايا يسقطون على ارض الجنوب، يبقى خطاب "ما لن نوافق عليه لن يمر" أداة تعبئة داخلية، بينما التفاوض الحقيقي يجري حيث لا كاميرات للدولة اللبنانية، بل لطهران وواشنطن فقط.

خاص - علاء الخوري

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا