الصحافة

بين حسابات الميدان ومذكرة الإطار: كيف فككت السياسة أوراق القوة اللبنانية؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز :
يمر لبنان اليوم بأخطر منعطفات الصراع مع العدو الصهيوني، وهو صراع لا تُكتب معادلاته بالحديد والنار فوق خطوط المواجهة فحسب، بل في أروقة الدبلوماسية المقيدة بحسابات إقليمية ودولية بالغة التعقيد. وفي قراءة موضوعية للمشهد، يتضح أن الموقف اللبناني كان يستند تاريخياً إلى ورقتين أساسيتين للقوة، قبل أن تتدخل التوازنات الحكومية الداخلية لتعيد رسم المسار بطريقة أثارت الكثير من الوجل والاحتقان.أخبار

أوراق القوة: صلابة الميدان وضغط التفاوض
الورقة الأولى والأهم تجسدت دائماً في قوة الميدان؛ حيث نجح رجال المقاومة في تكبيد جيش الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد والمعدات، فارضين معادلة ردع حقيقية جعلت جغرافيا الجنوب فخاً مستمراً لآليات العدو ونخبته العسكرية. أما الورقة الثانية، فكانت تتمثل في الديناميكية الإقليمية، وتحديداً الضغط الإيراني المستمر عبر قنوات المفاوضات "الإيرانية - الأمريكية"، والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من تثبيت وقف رسمي لإطلاق النار يضمن حقوق لبنان ويحمي سيادته.

انقلاب المسار: "حكومة أبو عمر" وطاولة المفاوضات العارية
هذا المسار الإيجابي شابه تبدل دراماتيكي مع صعود التوجهات المرتبطة بحكومة الرئيس المكنى بـ "أبو عمر". فبدلاً من استثمار تضحيات الميدان والمظلة التفاوضية غير المباشرة، ذهب الجانب الحكومي نحو رفع حدة المواجهة السياسية داخلياً، وعمد إلى حصر خطوط التفاوض في صيغة تضع الجانب اللبناني بمواجهة مباشرة مع العدو الإسرائيلي.

هذا التحول التكتيكي جعل الوفد اللبناني يذهب إلى طاولة المفاوضات مجرداً من عناصر القوة التي تراكمت في الميدان وفي كواليس الدبلوماسية الإقليمية. وجاءت النتيجة على شكل ما وُصف بـ "مذكرة الإطار"، وهي وثيقة اعتُبرت في الأوساط الوطنية بمثابة تنازل مجاني وضع البلد تحت شروط العدو، وبدت كأنها تسليم صريح لأوراق السيادة اللبنانية.مراجع جغرافية

تساؤلات دامية: هل كشف التصريح الحكومي ظهر لبنان؟
وأمام هذا المشهد المأزوم، يبرز سؤال جوهري يدور في أروقة الصالونات السياسية والشعبية الغاصبة: هل يتحمل رئيس الحكومة المسؤولية المباشرة عن دماء مئات الشهداء الذين سقطوا في مجزرة "الأربعاء الأسود"؟

يرى مراقبون أن تصريح رئيس الحكومة الحاسم حين قال: "نحن نفاوض عن لبنان وليس غيرنا"، شكّل نقطة تحول كارثية؛ إذ جرّد لبنان من ظهره الإقليمي، وعزل الميدان عن محيطه، وكشف ساحته بالكامل أمام الغدر الصهيوني. هذا التصريح، وبحسب القراءة التحليلية للمواقف، فُهِم من قِبل الاحتلال كإشارة ضعف وتفرد، مما شجعه على ارتكاب تلك المجزرة الشنيعة مستغلاً غياب غطاء الردع الدبلوماسي الذي بددته الحكومة بـ "مذكرة العار".

المادة 52 والمكاشفة المفقودة: أين الإيجابيات والملحقات السرية؟
وفي هذا السياق الدستوري المعقد، يتجه النظر مباشرة نحو مقام رئاسة الجمهورية؛ إذ إن المفاوضات وعقد المعاهدات الدولية يقعان في عمق الصلاحيات اللصيقة بفخامة الرئيس وفقاً لمنطوق المادة 52 من الدستور اللبناني. ومن هنا، وأمام اللغط الهائل والأنباء المتواترة التي رافقت توقيع "مذكرة الإطار"، والحديث المتصاعد عن وجود "ملحق سري" لم يُكشف النقاب عنه بعد، فإن المسؤولية الوطنية والدستورية تفرض على كل من فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة الخروج إلى الرأي العام بمكاشفة صريحة ومسؤولة.هيئات تنفيذية

إن هذه المحطة التاريخية المفصلية تستدعي مصارحة الشعب اللبناني بشكل مباشر: ما هي المكاسب والنقاط المحددة التي تم تحصيلها لصالح لبنان؟ وما هي الغايات الكامنة خلف هذا التوقيع طالما أنه لم ينجح حتى الساعة في كبح آلة القتل الصهيونية أو إيقاف الاعتداءات اليومية المستمرة على البلاد؟ إن غياب هذه المكاشفة يفرغ الدبلوماسية من معناها ويترك الساحة الداخلية نهباً للتأويلات والشكوك.

الاحتقان الداخلي: إجماع وطني ضد التنازلات
ولم تتأخر مفاعيل هذا التخبط والغموض الحكومي في الانعكاس على الساحة الداخلية؛ حيث تفجر احتقان سياسي وشعبي واسع اعتراضاً على مسار التفاوض وبنوده الملتبسة. وبرز هذا الرفض بشكل قاطع في مواقف كبار القادة السياسيين، وفي مقدمتهم الرئيس نبيه بري، والوزير السابق وليد جنبلاط، والوزير السابق  سليمان فرنجية، والنائب جبران باسيل، إلى جانب الأحزاب الوطنية والقومية والشخصيات المستقلة، والذين تلاقوا جميعاً على التحذير من تداعيات هذه السياسات وتأثيرها الهدّام على وحدة الموقف اللبناني.

من الاتفاقيات إلى الفتنة: استهداف قيادة الجيش
ومع تصاعد الاعتراضات وسقوط مفاعيل المذكرة شعبياً وسياسياً، يبدو أن غرفة العمليات المتربصة بالبلد نقلت مهامها نحو هدف جديد: المنظومة الأمنية وصمام أمان الاستقرار.

لقد بدا واضحاً أن السهام صُوّبت مباشرة نحو قائد الجيش اللبناني، الذي وقف سداً منيعاً بوجه مشاريع الفتنة الداخلية وأحبط مخططات طالما سعى البعض لجر البلاد إليها. هذا الموقف الوطني الصلب أغاظ القوى المستفيدة من الفوضى، فأوعزت إلى أبواقها الإعلامية والسياسية لشن حملات تحريضية ممنهجة ومكثفة ضد شخص القائد وقيادة المؤسسة العسكرية.

خلاصة القول: إن الحملة الشرسة والضغوط غير المسبوقة التي يتعرض لها قائد الجيش اليوم، تفسرها القوى السياسية الحريصة على مصلحة البلاد بمعادلة بسيطة: "طالما أن القائد يتعرض للضغط والتحريض من قِبل المتربصين، فهذا يعني حتماً أنه يقف في الموقع الصحيح لحماية لبنان"؛ لتظل المؤسسة العسكرية، إلى جانب قوى المقاومة والصمود الميداني، الحصن الأخير الذي يمنع سقوط الهيكل اللبناني وسط العواصف العاتية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا