أبي خليل: التيار يؤيّد التفاوض باعتباره الوسيلة السلمية لتحصيل الحقوق
ترامب "اللبناني": وعد يا لبنان... هل يعيده عظيمًا؟
يحيط الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بلبنانيين كثر، سواء في الإدارة الأميركية أو في العائلة. وهو ردّد أكثر من مرة أن لبنان كان بلدًا عظيمًا، ووعد بأنه سيعيده عظيمًا، محاكيًا فكرة الكيان اللبناني الأساسية التي قام عليها ونشأ. بين لبنان وأميركا، قبل ترامب ومعه وبعده، تاريخ أبعد من الأشخاص والعلاقات. فالدم الأميركي أُريق على تراب لبنان وامتزج به. ولذلك يواجه ترامب اليوم مسألة الردّ على هذا الاستهداف الذي تعرّضت له المصالح الأميركية في لبنان، وإنقاذ شرف أميركا من خلال إنقاذ لبنان. فهل يستطيع أن يفي بـ"وعده" ويعيد لبنان عظيمًا فعلا؟
في مفاصل كثيرة، ساهمت السياسة الأميركية في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط في تحطيم صورة لبنان البلد العظيم من خلال التضحية به على مذبح التسويات والمصالح والحروب، ولكن من دون أن تنهي دوره. دائمًا وفي كل المحطات كانت البيانات الرسمية الأميركية تتحدث عن حرص واشنطن على استقلال لبنان وسيادته، ولكن تحت سقف هذا الكلام كان لبنان ينزف ويعاني ويفقد مبررات وجوده. فهل يمكن أن ينهي الرئيس ترامب هذا المسار؟
تسويات من عبد الناصر إلى الأسد
أهم حدث في التاريخ الماضي بين لبنان وأميركا كان نزول قوات المارينز في بيروت في 15 تموز 1958، في عهد الرئيس كميل شمعون، بعد ثلاثة أشهر على اندلاع الثورة في 8 أيار من ذلك العام. صحيح أن هذا التدخل الأميركي كان تطبيقًا، كما قيل، لمبدأ إيزنهاور الذي يقضي بمساعدة الدول المهدَّدة من المدّ الشيوعي، ولكنه كان أيضًا نتيجة الانقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي في العراق في 14 تموز 1958، ومحاولة الرئيس المصري جمال عبد الناصر ركوب موجة الانقلابيين هناك، بالإضافة إلى كونه داعمًا للثورة ضد الرئيس شمعون. في 23 شباط من ذلك العام، كان عبد الناصر قد حقّق الوحدة مع سوريا، ولم يكن من الممكن قبول بسط نفوذه على العراق، ومن بعده لبنان. لكن التدخل الأميركي لم يكن حاسمًا ضد عبد الناصر، أو داعمًا للرئيس شمعون ولصورة لبنان العظيم الذي يحكي عنه ترامب اليوم، بل قام على تسوية سياسية مع عبد الناصر انتُخِب بنتيجتها اللواء فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، ليوازن بين السيادة الداخلية والتنسيق مع عبد الناصر.
مرة ثانية، كادت واشنطن تضحّي بلبنان بعد اندلاع الحرب عام 1975، إذ بدت الساحة اللبنانية مسرحًا للعبة الأمم والكبار في تصفية القضية الفلسطينية. ومع بداية عام 1976، كانت واشنطن تكلّف رئيس النظام السوري حافظ الأسد بالدخول إلى لبنان، وكانت تلك بداية جلجلة لبنان "العظيم" التي لا تزال مستمرّة. وقد دفعت فيها واشنطن نفسها أثمانًا باهظة، هي من أكثر ما تكبّدته بعد الحرب العالمية الثانية وبعد تدخّلها في فيتنام، بحيث كان لبنان بمثابة فيتنام الثانية.
الدمّ الأميركي وتراب لبنان
من أبرز ما تكبّدته واشنطن في لبنان:
• اغتيال سفيرها فرنسيس ميلوي بعد خطفه مع مستشاره وسائقه في 16 حزيران 1976 على حاجز للمسلحين الفلسطينيين وهو يعبر من بيروت الغربية إلى بيروت الشرقية. وقد وجدت جثثهم في الرملة البيضا.
• تفجير سفارتها في عين المريسة في 18 نيسان 1983، في عملية انتحارية أدّت إلى مقتل 63 شخصًا، بين أميركيين ولبنانيين، من بينهم مسؤولون كبار في الاستخبارات الأميركية في الشرق الأوسط.
• تفجير مقر المارينز في 23 تشرين الأول 1983 في منطقة الرمل العالي قرب مطار بيروت بعملية انتحارية أيضًا وقد سقط نتيجة ذلك 241 قتيلا من القوات الأميركية التي كانت دخلت إلى لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كان ردّ الفعل الأميركي غاضبًا في عهد الرئيس رونالد ريغن، ولكنّه لم يصل إلى حد الانتقام. بل تراجع أمام الهجمة عليه وانسحبت قوات المارينز وتُرك "لبنان العظيم" ليواجه مصيره.
• تفجير السفارة الأميركية في عوكر في 20 أيلول 1984 في عملية انتحارية بواسطة شاحنة مفخخة، الأمر الذي نتج عنه مقتل 24 أميركي ولبناني.
• خطف طائرة الـ TWA في 14 حزيران 1985 من أثينا إلى بيروت حيث أُنزِل ركابها الأميركيون إلى الضاحية الجنوبية وظهر مباشرة أن "حزب الله" وراء العملية التي لم تكن سرية. وقد أعلن "الحزب" الذي كان قد أعلن عن تأسيسه قبل أربعة أشهر، أن هدفه إذلال أميركا. ولم تنته العملية إلا بعد 17 يومًا وعن طريق دمشق ورئيس نظامها حافظ الأسد.
• خطف عدد من الرهائن الأميركيين الذي بدأ منذ العام 1983 واستمر حتى إطلاق آخر دفعة منهم عام 1991 وعن طريق دمشق أيضًا.
بارقة أمل مع جورج بوش
هكذا امتزج الدم الأميركي بالتراب اللبناني. ولكن على الرغم من هذه الخسائر الكبيرة، لم تكن ردة الفعل الأميركية تجاه هذه الأفعال بحجم الضرر الذي تعرّضت له واشنطن. ولم تكن القضية اللبنانية ومسألة استعادة سيادة لبنان واستقلاله أساسية في السياسة الأميركية. ففي العام 1990 تخلّت واشنطن أيضًا عن لبنان من خلال تلزيم الأسد تطبيق اتفاق الطائف على طريقته، بحيث ساهمت هذه السياسة في تحطيم صورة "لبنان العظيم" ودفعه نحو الموت وجعله مجرّد محافظة سورية.
عام 2004 لاحت في الأفق بارقة أمل على عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن وتبني مسألة إخراج الجيش السوري من لبنان. ولكن هذا القرار لم يكن يتشكّل من أجل لبنان، بل من ضمن تبديل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط بعد تفجيرات 11 أيلول 2001 التي نقلت المواجهة إلى داخل أميركا فاختارت الردّ على الإرهابيين في الدول التي يعملون فيها وينطلقون منها وكان لبنان من بينها. ولكن التدخل الأميركي لم يكن حاسمًا أيضًا ولم تكن هناك سياسات نهائية.
هل يفعلها ترامب؟
اليوم، مع الرئيس ترامب، ثمّة تبدّل في المشهد وفي النظرة الأميركية إلى لبنان، على الأقل في الجانب الذي يتحدث عنه ترامب نفسه. فهو ليس غريبًا عن لبنان، ولكنه، في الوقت نفسه، ليس في قلب لبنان. وتحتاج مسألة إعادة لبنان بلدًا عظيمًا إلى جهود أكبر.
السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى صورة عن نظرة ترامب إلى لبنان ربما. لا يمكن التفريق كثيرًا بين أن يكون عيسى سفيرًا لأميركا في لبنان أو سفيرًا للبنان في واشنطن. فهو تعبير عن هذا الخلط أو التمازج بين الهويتين اللبنانية والأميركية. يتحدّث كقروي لبناني، أو كأميركي لم تغادره الشخصية اللبنانية. وإذا كان من المهم التوقف عند سبب اختيار ترامب له ليمثله في لبنان، فلا يمكن الابتعاد كثيرًا عن هذه المسألة التي يرتبط من خلالها ترامب بلبنان، مع التطلّع إلى أن يتمدّد هذا الارتباط ليشمل القضية اللبنانية. فصهر ترامب، مايكل بولس، لبناني. وحفيده لبناني احتفل بولادته في البيت الأبيض. وابنته تيفاني ربما تكون قد حصلت على الجنسية اللبنانية، وبعد عشرة أعوام يمكنها أن تترشح إلى الانتخابات النيابية. ووالد صهره، مسعد بولس، مكلّف بمهمات دبلوماسية في الشرق الأوسط وإفريقيا. وموفده إلى تركيا وسوريا والعراق هو اللبناني توم بارّاك. وهناك أسماء كثيرة تعمل على تثبيت سياسات ترامب الجديدة تجاه لبنان.
المارينز إلى لبنان؟
ثمة حديث اليوم عن احتمال إرسال قوات أميركية إلى لبنان، ليس على غرار ما حصل عام 1958 ولا على غرار ما حصل عام 1982. ثمّة خريطة جديدة للمنطقة ترتسم في لبنان وسوريا والعراق وإيران وليبيا والسودان ومصر والخليج. وثمّة تبديل في ترسيم الحدود بين الدول وداخل الأنظمة. ولذلك يرتدي الحديث عن إعادة دور لبنان العظيم حلّة جديدة بحيث يمكن أن يكون جدّيًا ونهائيًا على أساس أنّ هذا الدور الذي أُخِذ من لبنان بات اليوم ضرورة من أجل تجديده في بناء مستقبل السلام في المنطقة.
فهل يفعلها ترامب ويمضي إلى النهاية في تنفيذ وعده؟ وهل يمكن أن يعود لبنان بمساهمة منه بلدًا عظيمًا؟ ليس من أجل لبنان واللبنانيين بل من أجل دماء الأميركيين التي روت أيضًا تراب لبنان.
نجم الهاشم -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|