هيئة بحرية بريطانية: إصابة 3 ناقلات نفط في مضيق هرمز خلال 24 ساعة
تتحول أنقرة إلى منصة سياسية كبرى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع توافد قادة الناتو إلى تركيا في قمة تمنحه إنجازًا واضحًا بعد سنوات من التوتر مع الغرب. فبين حاجة أوروبا إلى السلاح التركي، ورغبة دونالد ترامب في تقليص العبء الأميركي عن الدفاع عن القارة، وملف مقاتلات "F-35" الذي يقلق إسرائيل، يبدو أردوغان اليوم في موقع من يقول للأوروبيين: أنتم تحتاجون إلينا أكثر مما نحتاج إليكم.
وبحسب تقرير للصحافي إليساف كوسمان في موقع "ynet" الإسرائيلي،فإن تركيا، تحت قيادة أردوغان، اعتُبرت على مدى سنوات طويلة "الخروف الأسود" داخل حلف الناتو. فمكانتها كدولة تملك جيشًا ضخمًا، هو الثاني في حجمه داخل الحلف بعد الجيش الأميركي، لم تكن موضع شك، لكن قادة أوروبا تعاملوا مع أردوغان بكثير من الريبة، وانتقدوا مرارًا القمع الذي مارسه ضد خصومه السياسيين، كما منعوه من استضافة قمة سابقة للناتو خلال العقد الماضي.
وفي المقابل، كان أردوغان قد عرقل قبل سنوات قليلة انضمام السويد إلى الناتو، ولم يعط الضوء الأخضر إلا بعد سلسلة تنازلات انتزعها منها. لكن اليوم، ومع تعهّد الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب بتقليص انخراطها في الدفاع عن أوروبا أمام التهديد الروسي المتزايد، ومع حاجة أوروبا الماسة إلى الطائرات المسيّرة والذخائر وأنواع أخرى من السلاح، يبدو أن كل ذلك طُوي، ليصبح أردوغان النجم الجديد للحلف.
وفي قمة الناتو التي تُفتتح اليوم الثلاثاء في أنقرة وتستمر غدًا، من المتوقع أن يصل 32 من قادة دول الحلف، الذي شكّل طوال عقود أساس منظومة الدفاع الأوروبية. وفي هذه اللحظة، لا يوجّه أي منهم انتقادًا بارزًا أو حادًا لقمع قادة المعارضة في تركيا، كما لا يُتوقع أن تُسمع الاعتراضات التي كان يمكن أن تظهر سابقًا تجاه التعاون الأمني بين أوروبا والصناعة الدفاعية الكبيرة في أنقرة.
أما "الكرزة على قالب الحلوى" بالنسبة إلى أردوغان، فقد تكون الهدية التي ألمح ترامب إلى أنه قد يمنحها له، أي صفقة بيع مقاتلات "F-35" الشبحية، بعد سنوات من إبعاد تركيا عن البرنامج المرموق بسبب قرارها شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400". وهذه الخطوة تثير قلقًا كبيرًا في إسرائيل، وقد دعا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمس ترامب علنًا إلى الامتناع عنها.
ولم يوضح ترامب بعد بصورة صريحة ما إذا كان سيعطي الضوء الأخضر فعلًا لبيع المقاتلات الشبحية إلى تركيا، التي ألمحت أخيرًا إلى احتمال تخليها عن المنظومة الروسية "S-400"، لكنه قال الشهر الماضي: "ربما سأفعل شيئًا يجعله سعيدًا جدًا"، في إشارة إلى أردوغان.
ونقلت "نيويورك تايمز" أن ترامب من المتوقع أن يبلغ أردوغان استعداده لإعادة تركيا إلى برنامج "F-35" والموافقة على البيع. وقال 4 مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأميركي إنه ليس واضحًا متى سيحدث ذلك، مشيرين إلى أن ترامب قد يغيّر رأيه.
وفي المناسبة نفسها، خلال لقاء مع الأمين العام للناتو مارك روته، شدد ترامب مجددًا على أهمية علاقته بأردوغان، موضحًا أنه سيشارك في قمة الناتو رغم غضبه من امتناع دول الحلف عن مساعدة الولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران، وذلك فقط بسبب صداقته مع الرجل الذي وصفه ترامب مرة أخرى بأنه "رئيس قوي جدًا ومعه جيش ممتاز".
وقال ترامب: "لولا أنها تُعقد في تركيا من جانب الرئيس أردوغان، لا أعتقد أنني كنت سأذهب إلى هناك". وستكون زيارة ترامب إلى تركيا، بحسب التقرير، الأولى له كرئيس، إذ إنه لم يزرها طوال ولايته الأولى أيضًا.
أما الأمين العام للناتو مارك روته، الذي كان جالسًا إلى جانبه، فأشاد هو أيضًا بتركيا، قائلًا إنها شهدت "ثورة صناعية دفاعية"، تجعلها حيوية جدًا في جهود الدول الأوروبية للاستجابة لمطلب ترامب بزيادة ميزانياتها الدفاعية بشكل دراماتيكي، وتحمل حصة أكبر من عبء الدفاع عن القارة، كبديل عن خفض القوات الذي تخطط الولايات المتحدة له هناك.
ومن المتوقع أن تشهد قمة أنقرة إعلانات عن صفقات سلاح جديدة بقيمة مليارات كثيرة، ضمن محاولة لإظهار الجدية أمام ترامب في التعامل مع مطلبه الالتزام بالهدف الذي تم الاتفاق عليه العام الماضي، أي زيادة ميزانية الدفاع لكل دول الحلف إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، بحيث تكون 3.5% منها ميزانيات دفاع مباشرة، و1.5% موازنات مرتبطة بالبنى التحتية المهمة للمنظومة الدفاعية، مثل الطرق والجسور والموانئ.
وقد تمردت دولة واحدة، هي إسبانيا، على هذا الهدف، ما أثار غضب ترامب. لكن دولًا أخرى تتحرك أيضًا بوتيرة بطيئة جدًا ولا تلتزم حتى بالهدف القديم البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وتهدد إدارة ترامب الآن باتخاذ خطوات ضد الدول التي لا تلتزم بالهدف المتفق عليه، للوصول إلى ما تصفه الإدارة بـ"NATO 3.0"، أي نسخة جديدة من الحلف الأطلسي تتحمل فيها أوروبا مسؤولية أكبر بكثير.
ومن هنا تدخل تركيا إلى الصورة. فالتقديرات تشير إلى أن بعض الصفقات التي سيُعلن عنها ستشمل صناعتها الدفاعية. وفي ظل التراجع الأميركي، والخشية من أن يحاول فلاديمير بوتين تنفيذ هجوم ما ضد دول في الناتو لاختبار التزامها ببند الدفاع المتبادل الذي يقوم عليه الحلف، تُعد تركيا الآن ركيزة أكثر مركزية داخل الناتو.
وعلى الرغم من أن تركيا اعتُبرت منذ سنوات قاعدة مهمة للدفاع عن الجبهة الشرقية للحلف، بفضل جيشها الكبير وموقعها الاستراتيجي المسيطر، من بين أمور أخرى، على مدخل البحر الأسود، فإن مكانتها الآن تتعاظم كمورّد للسلاح. وتبلغ قيمة الصناعة الدفاعية التركية اليوم 10 مليارات دولار سنويًا، وبحسب "بلومبرغ"، فإن 56% من مبيعات السلاح التركية في العام الماضي ذهبت إلى الولايات المتحدة وأوروبا ودول غربية أخرى.
وقد تضاعفت مبيعات الشركات التركية إلى الدول الأجنبية 4 مرات منذ عام 2020، وتأمل تركيا أن تصل إليها أيضًا الأموال الضخمة التي تنفقها أوروبا اليوم على التسلح. وقال أوزغور أونلوهيسارجيكلي، رئيس فرع "صندوق مارشال الألماني" في تركيا، لـ"بلومبرغ": "تاريخيًا، كان يُنظر إلى قيمة تركيا بالنسبة إلى الناتو على أنها نابعة أساسًا من جغرافيتها الاستراتيجية وحجم جيشها. ومع ذلك، فإن صناعتها الدفاعية تتحول تدريجيًا إلى أصل لا يقل أهمية".
وترى تركيا نفسها الآن قادرة على ملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة مع ابتعادها عن أوروبا. وقد دعا أردوغان الأسبوع الماضي أوروبا إلى التخلي عن القيود المفروضة على التعاون الدفاعي مع بلاده، قائلًا: "علينا أن نضمن أن يكون تقاسم العبء بين الحلفاء متوازنًا وعادلًا، وفي الوقت نفسه إزالة الحواجز أمام التجارة في الصناعة الدفاعية".
ورغم تلك القيود، تعزز التعاون الدفاعي بين تركيا وأوروبا بشكل كبير في السنوات الأخيرة، على خلفية الحرب في أوكرانيا التي أدت إلى قفزة في الطلب على المسيّرات التركية، وكذلك على قذائف المدفعية التي تنتجها أنقرة وتطابق معايير الناتو.
ومع أن تركيا استُبعدت من مبادرة القروض الضخمة البالغة 150 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية، والتي أعلن عنها الاتحاد الأوروبي العام الماضي، فإنها وجدت طرقًا لتجاوز ذلك. ومن بين هذه الطرق، أنشأت شركة "بايكار" التركية المنتجة للمسيّرات مشروعًا مشتركًا مع شركة "ليوناردو" الإيطالية للوصول إلى السوق الأوروبية. وفي موازاة ذلك، وقّعت الصناعات الجوية التركية العام الماضي صفقة لبيع 30 طائرة تدريب من طراز "هورجت" إلى إسبانيا.
وبحسب تقرير "بلومبرغ"، الذي استند إلى مصادر مطلعة على الملف، تسعى تركيا أيضًا إلى إقامة أنابيب وقود تحت الأرض ضمن خطة لتوسيع البنى التحتية للناتو بقيمة 28 مليار دولار، وتهدف إلى تعزيز أمن الطاقة لدى دول الحلف.
وخلف ما وصفه الأمين العام للناتو بأنه "ثورة دفاعية"، تقف استثمارات ضخمة قام بها أردوغان لتعزيز جيشه، وهي نزعة تقلق إسرائيل كثيرًا أيضًا، في ظل تهديدات صريحة أطلقها بعض وزرائه ضدها، رغم أن القدس لا تزال تؤكد أن تركيا لا تُعد "دولة عدو".
وقال مسؤول تركي كبير لـ"فايننشال تايمز" إن أحد العوامل التي ساهمت في بناء صناعة دفاعية كبيرة هو صندوق استثمار خاص أنشأه أردوغان، وضخ من خلاله أموالًا خارج الميزانية العادية، بما في ذلك لشركات يملكها مقربون منه. وفي عام 2018، بلغت ميزانية هذا الصندوق 3 مليارات دولار، أي نصف بالمئة من إجمالي الناتج المحلي التركي.
وقال المسؤول التركي الكبير: "نحن نحصد الآن الأرباح"، مقدرًا أن يقفز حجم الصادرات الدفاعية التركية هذا العام بنسبة 30% إلى 13 مليار دولار. وأضاف: "لدى أوروبا الكثير لتتعلمه منا"، فيما أشارت الصحيفة البريطانية إلى أنه قال ذلك وابتسامة على وجهه.
وبالنسبة إلى أردوغان، هناك فعلًا ما يدعو إلى الابتسام. فهذه القمة تشكل بالنسبة إليه إنجازًا مهمًا أمام قادة الغرب، الذين كان قد اتهمهم قبل عقد بدعم مدبري محاولة الانقلاب الفاشلة ضده عام 2016. وحتى قبل تلك المحاولة، كانت تركيا تُعد دولة إشكالية على مستوى حقوق الإنسان والحقوق المدنية، وقد أحبط قادة أوروبا محاولة الرئيس التركي حشد توافق حول استضافة قمة الناتو عام 2018.
وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة، شن أردوغان حملة قمع واسعة، طهّر خلالها صفوف الحكومة والجيش من أعداد كبيرة من الموظفين والضباط الذين عُدّوا غير مخلصين بما يكفي. وفي السنوات الأخيرة، ازداد هذا القمع حدة.
وفي العام الماضي، اعتقلت السلطات التركية رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو، المرشح الرئاسي الذي يُنظر إليه على أنه التهديد الرئيسي لحكم أردوغان. وفي أيار الماضي، أُقيل من منصبه أوزغور أوزل، زعيم حزب المعارضة الرئيسي، "حزب الشعب الجمهوري" CHP.
وقبيل القمة، وردت في تركيا تقارير عن خطوات إشكالية إضافية من جانب السلطات، التي أطلقت، ظاهريًا ضمن جهود أمنية مشددة، حملة اعتقالات شملت 200 مشتبه بهم بالإرهاب. لكن بحسب التقارير، كان بين هؤلاء ناشطون اجتماعيون ومحامون وأكاديميون.
وقبل القمة مباشرة، اعتُقل أيضًا كوميدي بارز تجرأ على وصف أردوغان بـ"الديكتاتور" في إحدى نكاته، كما لم يُسمح لوسائل إعلام مستقلة أرادت تغطية القمة بالقيام بذلك.
لكن، خلافًا للماضي، تلتزم أوروبا الآن الصمت إزاء القمع الواسع. وقال دبلوماسيون غربيون لوكالة "رويترز" إن توجيه انتقادات علنية لسياسة أنقرة لن يحقق شيئًا في ما يتعلق بالحفاظ على الديمقراطية في البلاد، ولذلك يفضلون التعبير عن هذه المخاوف في "محادثات خاصة" مع مسؤولين أتراك.
ومع ذلك، لا تزال الريبة الأوروبية قائمة. وقد ظهر ذلك في ما قد يكون زلة لسان من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي أثارت عاصفة في نيسان الماضي عندما حذرت من أن أوروبا تخاطر بـ"السقوط تحت تأثير روسيا والصين وتركيا". وبعد أيام قليلة، وبعد أن تراجعت مؤسستها عن التصريح، رد أردوغان ساخرًا: "أوروبا تحتاج إلى تركيا أكثر مما تحتاج تركيا إلى أوروبا".
وفي إسطنبول، تظاهر ناشطون شيوعيون ضد الناتو في نهاية الأسبوع، حاملين لافتة شُبّه فيها نتنياهو بهتلر، وكُتب عليها باللغة التركية: "أميركا السارقة، إسرائيل القاتلة".
ويثير الصمت الأوروبي إزاء القمع السياسي الذي يقوده الرئيس التركي انتقادات من ناشطي حقوق الإنسان، الذين يحذرون من أن أوروبا تشجع بهذه الطريقة السلوك السلطوي لأردوغان.
وقال ديفيد ساترفيلد، السفير الأميركي السابق في أنقرة، لـ"رويترز": "لا يزال من المهم أن يواصل الغرب الرد على تآكل المؤسسات الديمقراطية في تركيا، لأن المسار ليس غير قابل للعكس، وتركيا لم تتجاوز العتبة". وأضاف ساترفيلد، الذي يرأس اليوم معهد بيكر للسياسة العامة: "من المهم أن يسمع الأتراك آخرين يتحدثون عن نظامهم بهذه الطريقة".
من جهته، قال كارول فاسيلفسكي، من مركز الدراسات الشرقية في وارسو، إن أوروبا تبدو وكأنها "تخلت إلى حد ما عن القيم، وتفضّل علاقة أخذ وعطاء، انطلاقًا من معرفة أن تركيا حيوية للدفاع عن أوروبا". وبحسبه، تعرف أنقرة أن أي انتقاد غربي، بما في ذلك للقمع ضد حزب المعارضة "CHP"، سيكون معتدلًا و"لن يُترجم إلى أفعال".
وهكذا، بين مقاتلات "F-35"، وصفقات السلاح، والخشية الأوروبية من روسيا، والصمت أمام القمع الداخلي، يدخل أردوغان قمة أنقرة لا كحليف صعب داخل الناتو فحسب، بل كلاعب يعرف أن حاجة الغرب إليه باتت أكبر من رغبته في محاسبته.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|