الصحافة

من بغداد إلى بيروت: هل حان وقت سقوط "رأس الفساد"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في أروقة الإدارات اللبنانية، لا تفتقر الدولة إلى الأدلة أو الإخبارات. فالأدراج تعجّ بملفاتٍ "دسمة" تحولت بفعل التراكم إلى ذاكرةٍ مهملة للفساد. المشكلة في لبنان لم تعد في "غياب الجريمة"، بل في "تعطيل العقاب". إننا نعيش في ظل منظومةٍ سياسية جعلت من الفساد مؤسسةً عابرة للحكومات، حيث تُصهر القوانين وتُطوّع الرقابة لتخدم "إقطاعيات" محمية بحصانات طائفية ومناطقية. اليوم، وبينما يتأرجح لبنان بين خيار الدولة أو اللادولة، يبرز السؤال: هل تلوح في الأفق لحظة سياسية استثنائية تشبه تلك التي أحدثت "زلزال الجميلي" في العراق؟ وهل يملك القضاء اللبناني الجرأة لتحويل تراكم الملفات إلى مسارٍ للمحاسبة، بعيداً عن مقايضات التوافق السياسي؟.

لقد تحوّلت الوزارات اللبنانية، من قطاع الطاقة والاتصالات إلى الجمارك والمناقصات الصحية، إلى "حقل تجارب" لتقاسم النفوذ. القاعدة هنا راسخة: لا يوجد موظف مرتشٍ وحده، بل شبكة توزيع أدوار. إن تقارير ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي ليست سوى "مستندات مخزنة" تصطدم في كل مرة بجدار التدخلات السياسية.

هذا التشابك هو ما يمنح ملفات الفساد في لبنان صفة "الملغومة". ففتح ثغرة في وزارة واحدة قد يؤدي إلى انهيار منظومة كاملة، لأن الفساد هنا ليس ظاهرة فردية، بل "مظلة" تربط الاطراف السياسية ببعضهم البعض عبر "ملفات متشابكة" تضمن بقاء الجميع في منطقة الأمان، حيث الخوف من "كرة الثلج" هو الضامن الوحيد لاستقرار الفساد.

قدمت تجربة وكيل وزارة النفط العراقي عدنان الجميلي درساً استثنائيا في كيفية تفكيك منظومة "الفساد الصامت". لم تبدأ القصة بشعارات، بل بعملية جراحية دقيقة استهدفت شخصية محورية تدير مفاصل التمويل غير الشرعي، وبالتالي يمكن إسقاط ثلاثة دروس على الواقع اللبناني:

الاستهداف المالي لا الشكلي: مصادرة الأصول من العقارات الى النقد والذهب. وجه هذا الدرس رسالة بأن المحاسبة ليست استعراضاً إعلامياً، بل تجفيفاً لمنابع القوة.

الغطاء القضائي: عندما تحرر القضاء من الارتهان للسلطة التنفيذية، يمكن عندها تحويل الإجراء الفردي إلى "خارطة طريق" لكشفت شبكة من النواب والفاعلين.

تحويل الاعتراف إلى محرك: أثبتت التجربة أن "سقوط رأس واحد" يملك أسرار التمويل يكسر حاجز الخوف، ويحفز الآخرين على التنازل لتخفيف العقوبات، مما يؤدي إلى تداعي المنظومة تلقائياً.

وثمة مؤشرات موضوعية توحي بأن "اللحظة" قد تكون أقرب مما نتصور، فتراكم الإخبارات كالذي يحصل في النيابات العامة المالية حيث تحتفظ بمئات الملفات التي تنتظر فقط ضوءاً أخضر سياسياً للتحرك. والفساد في لبنان لم يعد مخفيا، فالأسماء والشبهات متداولة في الإعلام والتحقيقات الاستقصائية، مما يجعل هؤلاء "أهدافاً جاهزة" في حال رُفع الغطاء، وورقة التوت التي كانت تبرر تأجيل المحاسبة بحجة "الاستقرار" قد سقطت والغضب الشعبي والتدهور الاقتصادي يخلقان بيئة حاضنة لأي خطوة قضائية جريئة، تمنح القضاء شرعية تتجاوز أي اعتراضات طائفية.

إن العائق الأساسي أمام المحاسبة في لبنان ليس تقنياً أو قانونياً، بل سياسي بامتياز. لكن العراق أثبت أن التذرع بـ "الاستهداف الطائفي" يسقط فور أن يطال الحساب الجميع من دون استثناء.

بيروت تملك الشرايين وتملك الأسماء التي تدير "المفاتيح الإدارية". إن البدء بمحاسبة "متعهد مركزي" أو "مدير عام" يمتلك مفاتيح الصفقات سيكون بمثابة "طرق الباب" الذي سيؤدي إلى فتح سيل من الاعترافات.

في الداخل ثمة إجماع على أن القرار السياسي هو المفتاح الذي ينقص الضابطة العدلية والقضاء. ما يحتاجه لبنان ليس "قوانين جديدة"، بل "جرأة البدء". إن معضلة لبنان اليوم لا تكمن في القدرة، بل في الجرأة، والتاريخ الحديث للتجارب المشابهة يخبرنا حقيقة واحدة لا جدال فيها: الفساد لا ينهزم بالتقارير، بل بسقوط الرؤوس التي ترعاه. وبيروت، بكل تأكيد، تعرف رؤوس حيتانها جيداً.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا