بعد "اليونيفيل"... هل تصبح أوروبا شريكة في استعادة سيادة لبنان؟
لا يقتصر انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" على كونه محطة في تاريخ إحدى أطول بعثات حفظ السلام الأممية، بل يمثل تحولاً استراتيجياً يفرض إعادة رسم منظومة الأمن في جنوب لبنان.
فمع اقتراب موعد انسحاب القوة الدولية، تتجه الأنظار خلال اجتماعات الناتو الـ36 في تركيا إلى الجهة التي ستملأ الفراغ، فيما تستبعد الولايات المتحدة نشر قوات على الأرض، وتتبلور داخل الاتحاد الأوروبي (فرنسا وإيطاليا) أفكار لإنشاء بعثة جديدة تتولى دعم الجيش اللبناني ومواكبة تنفيذ الترتيبات الأمنية التي أفرزها الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
ويمنح الاتفاق الجديد الجيش اللبناني دوراً محورياً بوصفه المؤسسة الشرعية الوحيدة المكلفة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، من خلال برنامج لبناء القدرات العسكرية والأمنية يفضي تدريجاً إلى نزع سلاح القوات المسلحة غير الحكومية. إلا أن الانتقال من النصوص إلى التنفيذ يطرح تحديات معقدة، أبرزها كيفية توفير الضمانات الدولية التي تساعد الدولة اللبنانية على إنجاز هذه المهمة من دون أن تتحول إلى وصاية خارجية جديدة.
ووفق مصادر دولية، رغم أن واشنطن لا تنظر إلى المشاركة الأوروبية بوصفها أولوية في استراتيجيتها تجاه لبنان، فإنها لا تبدو معارضة لها، شرط أن تأتي مكملة للجهود الأميركية لا منافسة لها. كما أن الاتفاق الثلاثي نفسه تحدث عن دور "الشركاء الدوليين" في دعم سيادة لبنان، فيما دعا بيان مجموعة السبع الذي عقد أخيرا في فرنسا إلى توفير ضمانات أمنية دولية مناسبة، بما يفتح الباب أمام مقاربة متعددة الطرف يكون الأوروبيون أحد أعمدتها.
في المقابل، تضيف المصادر، بدأت الأمم المتحدة بدرس شكل حضورها بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل". فقد طرح الأمين العام أنطونيو غوتيريش ثلاثة خيارات تتفاوت في الحجم والمهمات، تراوح بين بعثة محدودة تضم نحو 1500 عنصر وأخرى تتجاوز أربعة آلاف فرد، مع إبقاء وظائف أساسية تشمل مراقبة وقف النار، والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل، ودعم الجيش اللبناني، ومتابعة تنفيذ القرار الدولي 1701.
غير أن هذه المقترحات لا تبدو منسجمة تماماً مع الرؤية الأميركية. فمنذ سنوات، تبدي واشنطن تحفظاً عن أداء القوات الدولية التي فشلت في القيام بدورها، معتبرة أن الاعتماد الطويل عليها حدّ من تطوير دور الجيش اللبناني في الجنوب. لذلك تميل الإدارة الأميركية إلى نموذج أكثر خفة، يركز على تمكين الجيش اللبناني بدلاً من استبدال دوره، وهو ما يفسر حذرها تجاه أي بعثة أممية واسعة النطاق.
من هنا يبرز الحديث عن بعثة أوروبية مستقلة عن الأمم المتحدة لكنها متكاملة معها. فقد أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن العمل جارٍ على إعداد بعثة جديدة للبنان، فيما كشفت كل من فرنسا وإيطاليا عن مشاورات لإطلاق تحالف دولي لدعم المرحلة الانتقالية بعد "اليونيفيل". ورغم غموض الشكل النهائي لهذه المبادرات، فإنها تعكس استعداداً أوروبياً لتحمل جزء من أعباء الاستقرار في لبنان، ولا يُنتظر من هذه البعثة أن تضطلع بمهمات قتالية أو أن تدخل في مواجهة مباشرة مع "حزب الله"، بل أن تركز على بناء قدرات الجيش اللبناني، وتقديم الدعم الفني والتدريب، والمساهمة في إصلاح القطاع الأمني، على غرار بعثات الاتحاد الأوروبي في العراق أو عملياته البحرية في البحر المتوسط.
وتبعا للمصادر، تتمثل القيمة المضافة لأي دور أوروبي في قدرته على سد الفجوات التي قد يخلفها انسحاب "اليونيفيل"، خصوصاً في مجالات مراقبة الحدود، ومكافحة تهريب الأسلحة، وتعزيز القدرات البحرية اللبنانية. فالحدود مع سوريا لا تزال تشكل ممراً رئيسياً لعمليات التهريب، فيما يعتمد لبنان بدرجة كبيرة على القوة البحرية التابعة لـ"اليونيفيل" في مراقبة مياهه الإقليمية، وهو فراغ قد يصبح أكثر وضوحاً بعد انتهاء المهمة الأممية.
لكن نجاح أي مبادرة أوروبية سيظل مرهوناً بمدى التنسيق مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة والحكومة اللبنانية. فالأوروبيون مطالبون أولاً بصياغة رؤية واضحة تحدد طبيعة بعثتهم وأهدافها وإمكاناتها، بعيداً من الإعلانات السياسية التي لا تسندها الموارد الكافية. كما أن واشنطن مطالبة بتوحيد المبادرات التي أطلقتها تجاه لبنان، وتجنب تداخل الأطر الأمنية المختلفة بما قد يربك عملية التنفيذ.
ويبقى التحدي الأكبر في إيجاد آلية موثوق بها للتحقق من تنفيذ ترتيبات نزع السلاح. فقد كان غياب جهة ثالثة تحظى بثقة جميع الأطراف أحد أسباب تعثر المبادرات السابقة، وهو ما يجعل مشاركة أطراف أوروبية في عمليات المراقبة والتقييم خياراً مطروحاً إذا حظي بقبول الأطراف المعنية.
أما لبنان، فيجد نفسه أمام اختبار لا يقل أهمية عن الدعم الدولي المنتظر. فالمطلوب من الدولة أن تحدد حاجات جيشها بدقة، وأن تثبت أن طلبها للمساندة الخارجية يهدف إلى تعزيز قدراتها الوطنية لا نقل مسؤولياتها الأمنية إلى الخارج. كما أن توفير الحماية للبعثات الدولية، ومحاسبة المعتدين عليها، سيشكلان معياراً أساسياً لقياس جدية الدولة في إدارة المرحلة الجديدة.
في المقابل، تبدو إسرائيل معنية أيضاً بإنجاح أي ترتيبات تعزز دور الجيش اللبناني، رغم التوتر المتصاعد في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. فالتجربة أثبتت أن استمرار العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية أو إبقاء أي وجود طويل الأمد لا يؤدي إلا إلى تعزيز خطاب القوى التي تبرر احتفاظها بالسلاح تحت شعار مقاومة الاحتلال، فيما يبقى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية الخيار الأكثر استدامة لضمان أمن الحدود.
في المحصلة، لن يكون انسحاب "اليونيفيل" نهاية الدور الدولي في لبنان، بل بداية مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من حفظ الاستقرار إلى بناء مؤسسات الدولة. وإذا نجحت أوروبا في بلورة بعثة منسقة مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة، ومبنية على أولويات الدولة اللبنانية، فقد تتحول إلى ركيزة أساسية في مسار استعادة السيادة. أما إذا غلبت الحسابات السياسية وتعددت المبادرات المتنافسة، فإن الفراغ الذي سيخلفه رحيل القوة الدولية قد يصبح بداية مرحلة جديدة من عدم اليقين، بدل أن يكون فرصة لترسيخ الدولة اللبنانية واستعادة احتكارها المشروع للسلاح.
سمير تويني- النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|