إقتصاد

تحويلات المغتربين تؤجل الإنفجار... اقتصاد لبنان فوق قنبلة موقوتة!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ظاهرياً، يبدو المشهد المالي في لبنان مطمئناً. فالدولار متوافر في الأسواق، واحتياطيات مصرف لبنان تواصل ارتفاعها، فيما يوحي استقرار سعر الصرف بأن البلاد تجاوزت أخطر مراحل الإنهيار. لكن خلف هذه الصورة الهادئة، تتراكم أزمة أكثر خطورة، تكاد لا تُرى بالعين المجردة، وهي أن الإقتصاد ينزف بصمت.

هذا الإستقرار "المزيف" دفع أستاذ الاقتصاد البروفسور جاسم عجاقة، إلى التحذير من أن ما يعيشه لبنان اليوم ليس تعافياً اقتصادياً، بل مجرد استقرار نقدي هش يقوم على تدفقات ظرفية للدولارات، في وقت تتفاقم فيه الإختلالات البنيوية في ميزان المدفوعات عاماً بعد عام.

ويقول البروفسور عجاقة إن التركيز على ارتفاع احتياطيات مصرف لبنان يقدّم صورة مضللة عن الواقع، لأنه يحجب أصل المشكلة، والمتمثلة في العجز المزمن في الحساب الجاري، فلبنان لا يزال يستهلك من العملات الأجنبية أكثر بكثير مما ينتج، ويعتمد بصورة شبه كاملة على تحويلات المغتربين والإيرادات السياحية لسد هذه الفجوة، بدلاً من تأمينها عبر الإنتاج والتصدير.

وتكشف الأرقام حجم هذا الخلل، فبحسب عجاقة، تجاوزت قيمة الواردات خلال عام 2025 حاجز 21 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتخطَّ 3.6 مليارات دولار، ما رفع العجز التجاري إلى نحو 17.4 مليار دولار.

وهذه الأرقام، وفق عجاقة، لا تعكس مجرد خلل في الميزان التجاري، بل تكشف نموذجاً إقتصادياً قائماً على الإستيراد والإستهلاك، في مقابل ضعف القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد العملات الأجنبية.

ورغم هذا العجز الضخم، لم يشهد لبنان انهياراً جديداً في سعر الصرف، وهو ما يفسره عجاقة بتوسع الإقتصاد النقدي خارج النظام المصرفي، لأنه منذ انهيار القطاع المصرفي، أصبحت تحويلات المغتربين وإيرادات السياحة تدخل بمعظمها نقداً إلى السوق اللبنانية، لتتحول إلى المصدر الأساسي للدولارات المتداولة.

ويشير عجاقة إلى أن مصرف لبنان استطاع شراء جزء من هذه السيولة، ما سمح له بزيادة احتياطياته والحفاظ على حد أدنى من الإستقرار النقدي، إلا أنه يؤكد أن هذا النموذج لا يشكل سوى "مسكّن مؤقت" لا يمكن البناء عليه.

وبالتالي، لا يمكن للإقتصاد النقدي أن يكون بديلاً عن الإصلاحات، وفق عجاقة، لأنه يرتكز بالكامل على تدفقات مالية خارجية لا يملك لبنان أي قدرة على التحكم بها، وقد أثبتت التطورات الأمنية والإقليمية التي شهدها لبنان منذ مطلع عام 2026 مدى هشاشة هذا النموذج، بعدما انعكس تراجع السياحة واضطراب حركة الطيران مباشرةً على حجم الدولارات الداخلة إلى البلاد.

في المقابل، بقي الطلب على العملات الأجنبية مرتفعاً نتيجة استمرار الإعتماد على الإستيراد، ولا سيما استيراد الطاقة، ما يعني أن أي تراجع في التدفقات الخارجية سيعيد سريعاً الضغوط إلى ميزان المدفوعات، ومن ثم إلى احتياطيات مصرف لبنان وسعر الصرف.

ولا يقتصر الخلل على الحساب الجاري، إذ يكشف عجاقة، أنه يمتد إلى الحساب المالي أيضاً، في ظل استمرار غياب الاإتثمارات الأجنبية المباشرة، وانقطاع لبنان عن أسواق المال العالمية منذ التوقف عن سداد سندات اليوروبوند عام 2020، ما أفقد الإقتصاد مصادر التمويل التقليدية، وجعله يعتمد بصورة شبه كاملة على تحويلات الأفراد.

ويشدد عجاقة على أن معالجة الأزمة لا تكون عبر إدارة السياسة النقدية فقط، بل من خلال تغيير النموذج الإقتصادي برمته، مقترحاً البدء بخفض الإستيراد غير المنتج عبر فرض رسوم جمركية مؤقتة على السلع الكمالية، بما يخفف استنزاف العملات الأجنبية، بالتوازي مع إطلاق سياسات صناعية وزراعية تعيد تحريك عجلة الإنتاج المحلي وتحدّ من الإعتماد على الواردات.

كما يدعو إلى توجيه جزء من تحويلات المغتربين نحو الإستثمار بدلاً من الإستهلاك، عبر إنشاء أدوات تمويل مخصصة للمشاريع الإنتاجية، ولا سيما في قطاع الطاقة، بما يساهم في خفض فاتورة الإستيراد وتعزيز قدرة الإقتصاد على توليد العملات الأجنبية بصورة مستدامة.

ويدق عجاقة ناقوس الخطر، مؤكداً أن انخفاض سعر الصرف الحقيقي منح لبنان فرصة لاستعادة جزء من قدرته التنافسية، إلا أن هذه الفرصة ستضيع إذا لم ترافقها رؤية إقتصادية وإصلاحية شاملة، لأن الإقتصاد النقدي القائم على تحويلات المغتربين قد يؤجل الإنفجار، لكنه لن يمنع وقوعه، لأن الإختلالات البنيوية في ميزان المدفوعات ستعود لتفرض نفسها مع أول صدمة خارجية، وعندها لن يكون ارتفاع احتياطيات مصرف لبنان كافياً لحماية الإقتصاد اللبناني.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا