هجوم إسرائيل على عزمي بشارة: المشروع الذي تخشاه تل أبيب
إنها حرب على الفكرة وليست على الأرض فقط. ما تريد محوه إسرائيل ليس الحدود، أو الاكتفاء بتهجير الناس من أراضيها للسيطرة عليها. المعركة مع إسرائيل أخطر من ذلك بكثير، فحربها على الرواية، والسردية. على الثقافة والتاريخ والوجود أيضاً. فهي التي تريد أن تقتل الفكرة، أي فكرة تجابه "رؤيتها". الحرب الإسرائيلية ليست على فلسطين فقط، بل على المنطقة، وهو ما يرد دوماً على لسان بنيامين نتنياهو ووزراء حكومته. الحرب ليست على العرب فقط، بل على المنطقة ككل، وجانب أساسي من المعارك يدور في الغرب وحوله أو معه. وهذه المعركة بالتحديد هي التي يخوضها عزمي بشارة، كمعركة وعي، وصناعة رأي عام، والخروج من إطار الدراسات والأبحاث وصناعة الإعلام، إلى التأثير الفعلي في المجريات السياسية أو الثقافية أو الفكرية. أهم ما يتركز فيه الهجوم على بشارة، هو الأثر الفعلي الذي حققه على مستوى العالم العربي أو في الغرب، خصوصاً أن كل استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة الأميريكية وأوروبا تشير إلى أن الفئة الناشئة في غالبيتها تتحول إلى الخصومة مع إسرائيل ورفض سرديتها.
الهجوم على بشارة هو معركة على السردية
ليس الهجوم الإسرائيلي على عزمي بشارة هو الأول من نوعه. تعرض الرجل لأقسى من ذلك بكثير، وصولاً إلى حد الخطر على حياته، منذ كان في فلسطين وإلى اليوم من اضطراد الدور، واتساع التأثير. من الصعوبة في مكان الكتابة عن الرجل، لكنّ المعركة المفتوحة تحتّم ذلك، لا سيما أن المنطقة اليوم كلها تواجه خطر مشروع إسرائيلي يقوم على التهجير والإلغاء والقضم، وتغيير المنطقة وتاريخها بالقوة. ففي موازاة المعارك العسكرية التي تشنها إسرائيل على دول المنطقة، وتتزامن معها معارك سياسية وديبلوماسية، اختارت فتح معركة جديدة، هدفها عزمي بشارة"، في سياق الدخول بمعركة على السردية، لا سيما أن كل ما يقوم به بشارة من إنتاج فكري ومكتبي أو يشرف عليه من مؤسسات تعنى بصناعة الرأي العام، يشكل تضاداً ونقضاً للسردية الإسرائيلية.
وهنا ما يمكن المراكمة عليه والانطلاق منه إلى الأوسع. الأوسع المتمثل بالابتعاد الواضح في الرأي العام العالمي عن إسرائيل وسرديتها، وهو ما يشير إليه المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عزمي بشارة بالقول "إن خسارة إسرائيل هيمنة خطابها في الغرب، هو التحوّل الأهم الذي يجب الحفاظ عليه، وتحويل موجة التضامن من تضامن إنساني مع الضحايا ونفور من الوحشيّة الإسرائيليّة إلى تضامن سياسي لا يتوقف عند خطة لوقف الحرب تشمل جميع الشروط الإسرائيلية من دون حل عادل لقضية فلسطين". وهنا تكمن المعركة الفعلية في مواصلة تغيير الرأي العام الغربي تجاه فلسطين وتجاه كل القضايا العربية.
مشروعان متناقضان..الاقتلاع مقابل الحقوق
لا يقتصر المشروع الإسرائيلي على التهجير والتدمير، بل على تغريب الناس عن مجتمعاتهم، وتفتيت الدول من خلال تغذية الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية والقومية، بينما مشروع بشارة يقوم على تعزيز مفهوم الدولة الوطنية، المواطنة، الديمقراطية، مدنية الدولة، والأهم القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني. كما أن فكر بشارة يرتكز على مبدأ الجمع لا التفريق، وإعادة إنتاج العروبة بمعناها الحداثوي، على أن لا تكون هذه العروبة فكرة شوفينية، بل منفتحة على الشرق كما على الغرب، من منظور له بعده الإنساني الهادف إلى التلاقي مع حضارات وثقافات مختلفة، لا يقطع معها أو ينتهي أمامها. هذا بالضبط ما تريد إسرائيل مواجهته، انطلاقاً من عنصرية شوفينية لا تستند إلا على فكرة الاقتلاع والإلغاء والسيطرة. معركة إسرائيل هي مع أي محاولة لبناء مشروع فكري عربي يجتمع حول الدولة، والديمقراطية ويحافظ على الهوية وعلى القضية الفلسطينية. والفارق أن إسرائيل تستخدم القوة لتدمير المعرفة، بعكس ما يفعله بشارة الذي يسعى إلى جعل المعرفة منتجة للقوة.
لا يمكن فصل هذا الهجوم على عزمي بشارة، عن السياق السياسي العام، فما تستهدفه إسرائيل هو ما يمثله بشارة، وما يرمز إليه أولاً. ثانياً، هو ابن الأرض الذي له تجربة سياسية طويلة المدى أكسبته خبرة يمكنه توظيفها في أي نشاط يقوم به، خصوصاً أن ما يطرحه يشتمل على العالم العربي ككل، وليس على القضية الفلسطينية فحسب. وقبل الهجوم المباشر عليه، لا يمكن إغفال الهجمات والحملات الإسرائيلية الممنهجة على دولة قطر، والدور الذي تقوم به على مستوى الوساطة والتفاوض والوصول إلى حلول توافقية على مستوى المنطقة، إضافة إلى الدور الأساسي الذي تؤديه قطر في وقف الحرب الأمريكية على إيران، وتقريب وجهات النظر بين الدول العربية فيما بينها أو مع دول إقليمية. لذا فإن الاستهداف هو للدور أيضاً، وهو استهداف لكل من يسعى إلى تقديم فكرة أو بناء مشروع.
مظلة حماية بمواجهة المشروع الإسرائيلي
الأهم من ذلك، هو ما يتعرض له لبنان أو سوريا من حروب أو ضغوط واحتلالات. وسط محاولات إسرائيلية لزرع بذور الصدام الأهلي الداخلي في لبنان، وإدخال سوريا في حرب أهلية، وهذا كان أكثر ما حذّر منه بشارة طوال الفترة الماضية، خصوصاً بعد الأحداث التي شهدتها سوريا في الساحل أو السويداء، وكانت له مواقف واضحة، فتعرض لهجومات ممنهجة من داخل الأراضي السورية أو خارجها.
ولا يخفى سعي إسرائيل الدائم لإدخال البلدين في مواجهة بعضهما بعضاً، من خلال نصب فخ إسرائيلي لدفع سوريا إلى مواجهة حزب الله وإعادة إنتاج الحرب السنية الشيعية، وهو ما رفضته دمشق بالمطلق، وتلقى دعماً كبيراً من دول عربية عديدة ومن تركيا لمواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية. وهنا يظهر الجهد القطري والتركي المشترك أولاً من خلال تشديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع على فكرة بقاء سوريا بعيدة عن كل الصراعات الدائرة في المنطقة لحماية استقرارها وتقوية نفسها. وثانياً من خلال زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى دمشق، على أن يزور بيروت أيضاً في سياق المساعدة مع الأمريكيين لتخفيف الضغوط على الدولة اللبنانية، مقابل الضغط على إسرائيل لوقف العمليات العسكرية والانسحاب من الجنوب وإطلاق مسار المناطق التجريبية وتأمين فرص نجاحه. وهذا كله ينطلق من فكرة مشروع يقوم على التكامل بين دول المنطقة لتشكيل مظلة حماية سياسية وعسكرية وثقافية في مواجهة المشروع الإسرائيلي.
منير الربيع -المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|