الأمير المشاغب..
صرخ الشاب بين رفاقه: «أفكّر في خطف طائرة». لم يكن كلامه عادياً بالنسبة إلى الحاضرين من عرب وأجانب، الذين حاولوا فهم ما الذي يدفع شاباً ينتمي إلى عائلة حاكمة ويحمل لقباً أميرياً إلى إطلاق مثل هذا الكلام. لكنه كان صريحاً إلى حدّ الصدمة، إذ قال: «أريد أن يسمع العالم باسم قطر!».
الحكاية نفسها تكرّرت، بصورة مختلفة، عندما طلب الرئيس المصري الراحل حسني مبارك من أمير قطر، خلال إحدى زياراته للدوحة، زيارة مقر قناة «الجزيرة». وعندما وصل إلى المبنى الذي كانت تعمل منه القناة في سنواتها الأولى، التفت إلى وزير إعلامه صفوت الشريف قائلاً باستغراب: «أتقول لي إن كل هذا الإزعاج يأتي من علبة الكبريت هذه؟».
وفي مناسبة أخرى، ردّ الرجل نفسه، والذي لم يرقْ له كلام أحد اللبنانيين عن «طموحات غير واقعية لقطر»، بالقول: «أنتم دولة صغيرة، ولا موارد جدّية لديكم، وعدد سكانكم محدود، بما لا يبرّر هذا الحضور. فلماذا تستكثرون علينا أن يكون لنا دور؟».
هذه الأمور تشكّل مجتمعة سياقاً شخصياً يمثّل - إلى جانب أمور أخرى - فكرة المشاغبة التي تحوّلت إلى تمرّد، قاد حمد بن خليفة إلى تسلّم الحكم بعد الإطاحة بوالده منتصف عام 1995. ولم يكن ذلك وليد لحظة سفر الوالد إلى أوروبا للعلاج، بل تتويجاً لعمل دؤوب أعدّ له «الأمير المشاغب»، كما أطلق عليه محمد حسنين هيكل، عاقداً مقارنة قال إنها ليست سليمة من حيث العناصر، لكنها مُناسِبة في الشكل. فروى أن الرئيس جمال عبد الناصر أوفده إلى ليبيا بعد انقلاب الفاتح من أيلول للتعرّف إلى العقيد معمر القذافي الذي تسلّم الحكم.
وعندما عاد قال لعبد الناصر: «إنه رجلك في ليبيا». وعندما دعا حمد هيكل لزيارته في الدوحة، وشرح له رؤيته وخلفيات ما قام به، طالباً مشورته في عدد من الملفات، خرج هيكل ليقول لعارفيه: «إنه أمير مشاغب. لديه طموحات كبيرة، ولديه حس ليس غريباً عن أبناء جيله، لكنّ الظروف وحدها هي التي ستكشف حدود ما يستطيع تحقيقه».
عندما قرّر حمد الإطاحة بوالده في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم يكن يحتاج إلى ترتيبات مُعقّدة داخل قطر. فقد كان يتمتع بنفوذ واسع داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، وبعلاقات شخصية متينة مع كبار قادتهما، كما حظي، في المرحلة الأولى، بدعم عدد من العائلات الثرية النافذة. لكنه كان يدرك من اللحظة الأولى أن التحدّي الحقيقي لا يقف عند حدود الجلوس على العرش، بل انتزاع اعتراف الجوار والإقليم والعالم بالنظام الجديد، والأهم تأمين مظلة حماية له.
نظرته النقدية إلى حكم والده كانت امتداداً لحالة نقدية كانت تسود جيلاً من أبناء الأسر الحاكمة في دول الجزيرة العربية. لكنه كان يدرك أن هناك خطراً داهماً يجب العمل على احتوائه، ويتمثّل في موقف الحكم السعودي منه. فقطر هي الإمارة الوحيدة بين دول الخليج التي تعتمد على الوهابية المستندة إلى المذهب الحنبلي كمصدر للشريعة، وأن جذور عائلته تعود إلى قبائل نجد، وأن بين الأقوياء من حوله، كآل العطية، من تربطهم علاقات قُربى مع آل سعود، وأن فروعاً من القبيلة بقيت تعيش في السعودية بعد ترسيم الحدود بين البلدين.
لذلك، كان يحتاج سريعاً إلى اعتراف سعودي مبكر. وبذل كل ما يمكن ليستقبله فهد بن عبد العزيز استقبال الملوك بعد شهرين على الانقلاب، رغم إدراكه أن والده سيطرق أبواب الرياض، ومعها عواصم خليجية أخرى، وبعض من هم داخل قطر، طلباً للدعم لاستعادة الحكم. وهو ما تجسّد لاحقاً في محاولة الانقلاب المضاد التي شهدتها قطر في شباط 1996.
لكن، بالنسبة إلى حمد، لم يكن الغطاء الإقليمي كافياً. فقد كان مُقتنِعاً بأن استقرار حكمه لن يكتمل من دون دعم «قويّ العالم، أي الولايات المتحدة. وقبيل تنفيذ الانقلاب بيوم واحد، استدعى حمد بن جاسم، اليد اليمنى لحمد، سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وأبلغهم بأن حمد بن خليفة سيتولى مقاليد الحكم في اليوم التالي.
غير أن «الحمدين» كانا يعلمان أن الأمر يحتاج إلى خطوة أكبر، فجنّدا كل ما لديهما من علاقات وأفكار، وتوجّها بها إلى إدارة بيل كلينتون التي كانت قد حضّرت لائحة مطالب، هي بإيجاز شديد:
- الإشراف المباشر على الاستثمارات في حقول النفط والغاز والعمليات المالية والنقدية للإمارة.
- التعاون العسكري بكل ما يتطلّبه من إجراءات، وصولاً إلى الاتفاق على إنشاء أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة.
- الاعتراف بإسرائيل ومباشرة التواصل العلني معها، وهو ما بدأ في العام نفسه، عندما اشترط نائب الرئيس الأميركي آل غور على القطريين لقاء شمعون بيريز في واشنطن قبل أن يحدّد لهم موعداً في اليوم التالي.
احتاج الحكم الجديد إلى سنوات حتى يرسّخ أقدامه. وخلال تلك المرحلة، أعاد حمد بن خليفة ترتيب البيت الداخلي، فأبعد رجال العهد السابق عن مفاصل القرار في الديوان والدولة، ودفع بجيل جديد من أبناء العائلات النافذة إلى الواجهة، وفرض نفسه على دول الجزيرة العربية لاعباً مشاغباً، قبل أن يتحوّل إلى عنصر حرج وإرباك لدول كبيرة وعريقة مثل مصر والعراق وسوريا. فيما كانت أبواب العواصم الغربية، وفي مقدّمتها واشنطن، تُفتح أمامه.
حتى اليوم، لا يزال كثيرون يتحدّثون عن مؤامرة تقف خلفها الولايات المتحدة أوصلته إلى الحكم بإشراف أميركي، وأن القائمين على إدارة المنطقة في الغرب وجدوا أن الوقت بات يفرض طريقة جديدة في إدارة الأمور، وأنهم يحتاجون إلى قاعدة كبيرة، تتوافر فيها الأموال والهوامش التي تسمح بأدوار جديدة.
ستبقى هذه الأسئلة من دون جواب حاسم. لكنّ تفسير التناقضات في أداء الرجل كان عصياً على كثيرين. فهو استجاب لطلبات واشنطن، وتقرّب في المقابل من التيارات المعادية للولايات المتحدة. ولم يكن قرار إنشاء قناة «الجزيرة» أمراً عابراً، ورغم الانضباط الذي يحيط بكل ما يخرج منها، فقد فتحت الباب أمام انتفاضة إعلامية في العالم العربي. صحيح أن دول النفط والغاز كانت الأقدر على التمويل، لكن، ليس صحيحاً على الإطلاق أن دولاً وحكومات أخرى كانت تفتقر إلى الإمكانات لتقديم نموذج منافس. وهو فشل أصاب دول الخليج الأخرى نفسها، والدول القومية من مصر وسوريا والعراق والجزائر، ولم تنجح فيه دولة كبيرة كإيران.
وتكفي مراجعة نفقات هذه الدول في المجال الإعلامي ليتبيّن أنها كانت قادرة على إنتاج ما هو أكبر من «الجزيرة» نفسها. ما فعلته قطر في الشقّ الإعلامي، وإن انطلق من منافسة أرادها حمد مع الإعلام السعودي، لم يكن منفصلاً عن الدور الذي اختارته لنفسها برعاية أميركية واضحة. وهو الدور الذي احتاج إليه الغرب للتواصل مع الآخرين من الخصوم والأعداء. فصارت قطر مع حمد قادرة على التنقّل من قندهار إلى واشنطن، وأن تتواصل مع دمشق وبغداد وصنعاء والخرطوم، وأن تكون لديها قنوات مفتوحة مع قوى المقاومة في لبنان وفلسطين ومع إسرائيل نفسها.
وفي موضوع إسرائيل، يقول كثيرون ممن عرفوا الرجل إنه كان يحاول التمييز بين ما يسمّيه موقفه المبدئي الذي لا يخفيه حتى عن الأميركيين، وموقفه العملاني. وهو مسار جرّبه مع المقاومة في لبنان وفلسطين. وكان موفدوه إلى الشهيد الراحل السيد حسن نصرالله، يحاولون شرح أن موقفه الأساسي داعم لحق المقاومة، ورافض للاحتلال. وحتى قادة «حماس» من الأحياء أو الشهداء، تعرّفوا إلى حالة فريدة، وفّرت لهم الكثير من عناصر الدعم، لكنها لم تتبنّ مقاومتهم المسلحة. أمّا إيران، فقد تعامل معها حمد بطريقتين، واحدة تقوم على موقف دول الخليج منها بمعزل عن هوية حاكمها، وفي هذا السلوك، ثمة خلل كبير، يجعل العلاقة قائمة على الكثير من عناصر الحذر والقلق.
لكن، مع الوقت برز تحوّل أتاح قيام تواصل، نقل العلاقة من إطارها «الضروري»، إلى سياق التفاعل في ملفات كثيرة تخصّ كل المنطقة. وهو ما تمظهر في وقوف إيران إلى جانب قطر عندما حاصرتها السعودية ودول الخليج الأخرى، رغم أن الأمر لم يكن على هذه الحال عندما قرّرت قطر أن تصبح طرفاً في لعبة تفوق قدراتها، يوم عرف العرب ما أسموه لاحقاً «الربيع»!
ما من لحظة كاشفة لأصل موقف قطر وطموحها أكثر من لحظة الحراك الشعبي الذي عصف بالعالم العربي. وكل الحكومات التي تمّت الإطاحة بها، كانت تربطها بالدوحة علاقة من جيدة إلى ممتازة، لكنّ شعار «الوقوف إلى جانب الشعوب» كان وسيلة سهلة عند من يريد تجاوز الماضي القريب. وهو ما جعل قطر مشاركة فعلياً في حروب أهلية كبيرة، عصفت بدول عربية من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا، وهو دور لم تحصل مراجعة له حتى اللحظة، وهي عملية تحتاج إليها دولة كقطر، لتكون قادرة على استعادة ثقة قسم غير قليل من الجمهور العربي وليس حكامه. وهي مراجعة لا تخصّ موقف قطر من الإسلام السياسي، أو تقديرها لموقف وموقع التيارات الإسلامية الجديدة ولا سيما السلفية منها.
يبقى أمر أخير، وهو أن حمد، الذي لم يُخفِ انحيازه إلى ما كان يصفه بـ«العربي»، لم يجد الحداثة خارج أدوات الإنتاج والاستهلاك الغربيَّيْن. وقد انخرط في مشاريع أُنفقت عليها المليارات من الدولارات، بحثاً عن موقع فاعل في العالم الرأسمالي الغربي. وفي كل مرة يحصل نقاش حول هذه المسألة، يكون الجواب موارباً.
في إحدى المرات، سمع حمد من ضيف عربي سؤالاً: هل يحتاج الشعب القطري إلى هذه الكمية من الإنتاج السنوي من الغاز؟ فأجاب: «لسنا من يقرّر حجم الإنتاج، بل السوق. ما يميّزنا عن غيرنا، هو أننا لا نضع العائدات في المحافظ المالية الغربية، بل نجيد التحكّم بها، ولو ضمن قواعد هذا العالم الذي تقوده أميركا. وعندما تجدون دولة أقوى من أميركا في الاقتصاد والأمن، تعالوا واطلبوا منا تغيير وجهتنا»!
ابراهيم الأمين -الأخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|