من المحرقة إلى الدولة... لماذا ترى إسرائيل كل أزمة كتهديد وجودي؟
رغم امتلاكها قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية غير مسبوقة، لا تزال إسرائيل تتعامل مع كل أزمة تقريبًا باعتبارها تهديدًا وجوديًا، في انعكاس لذاكرة جماعية تشكّلت على مدى 2000 عام من الاضطهاد والملاحقات، وتحولت معها آلية البقاء التي حمت اليهود في الشتات إلى عائق أمام استيعاب معنى السيادة.
وبحسب مقال رأي كتبه العقيد في الاحتياط أمير نوي، ونشره موقع "معاريف أونلاين" الإسرائيلي، فإن محاولة فهم سبب عدم تحوّل الإنجازات العسكرية الكبرى دائمًا إلى شعور بالنصر داخل الوعي الإسرائيلي تقود إلى سؤال أعمق يتعلق بجذور هذه الظاهرة.
ويرى نوي أن إسرائيل تُعد قوة إقليمية، إذ تمتلك واحدًا من أقوى الجيوش في العالم، وأجهزة استخبارات متطورة، واقتصادًا متقدمًا، وقدرات دفاعية لم يمتلكها الشعب اليهودي في أي مرحلة سابقة.
ورغم ذلك، يترافق كل خلاف أمني أو سياسي أو اجتماعي تقريبًا مع تحذيرات فورية من «خراب الهيكل الثالث»، أو «نهاية الدولة»، أو «نهاية الصهيونية».
ويتساءل الكاتب عما إذا كانت هذه التحذيرات ناتجة من تقدير واقعي ومتزن للمخاطر، أم من وعي تشكّل على مدى 2000 عام من الشتات والملاحقات والصدمات، ولا يزال يجد صعوبة في استيعاب معنى السيادة اليهودية.
وبحسب نوي، قد تكون أهم معارك الصهيونية لم تُحسم بعد، وهي «المعركة على الوعي»، لأن الدول لا ترث جينات نفسية، لكن الشعوب ترث الذكريات.
وعاش الشعب اليهودي طوال نحو 2000 عام في واقع عرف فيه كل جيل تقريبًا التهجير أو المذابح أو الإذلال أو القتل الجماعي، من الحملات الصليبية ومجازر شميلنيتسكي، مرورًا بمحاكم التفتيش ومذبحة كيشيناو، وصولًا إلى المحرقة النازية.
وخلق هذا المسار، بحسب الكاتب، سلسلة شبه غير قابلة للاستيعاب من الصدمات الجماعية.
ويقول نوي إن الحدث المؤلم، عندما يستمر جيلًا أو جيلين، يتحول إلى ذكرى، لكنه عندما يتكرر طوال 60 أو 70 أو 80 جيلًا، يتحول إلى ثقافة.
وقد يكون ذلك أحد أسباب استمرار الأصوات التي تتنبأ بنهاية إسرائيل و«خراب الهيكل الثالث»، رغم قيام دولة يهودية ذات سيادة للمرة الأولى في التاريخ، وامتلاكها واحدًا من أقوى جيوش العالم، وأنظمة استخبارات متقدمة، وقدرات تكنولوجية لا تملكها سوى دول قليلة، إضافة إلى متانة اقتصادية لافتة.
وشدد نوي على أن هذا الطرح لا يعني أن التهديدات التي تواجه إسرائيل ليست حقيقية، مؤكدًا أنها موجودة، وقد تكون في بعض الأحيان وجودية.
إلا أنه طرح سؤالًا بشأن ما إذا كان جزء من المجتمع الإسرائيلي يفسر كل تهديد من خلال عدسة الذاكرة المرتبطة بالشتات.
فعندما تكون الذاكرة الجماعية متجذرة إلى هذه الدرجة، لا تصدر ردود الفعل عن الواقع وحده، بل عن التاريخ أيضًا، ليُذكّر كل عدو جديد بعدو قديم، ويتحول كل خلاف سريعًا إلى «عام 1938»، ويُنظر إلى كل إخفاق تكتيكي باعتباره بداية كارثة وطنية.
وفي هذه الحالة، تملأ الذاكرة التاريخية الفراغات التي لم تملأها الوقائع بعد.
ويصف علم النفس هذه الآلية بـ«الإتاحة المعرفية»، حيث تصبح الأحداث الصادمة من الماضي أكثر حضورًا في الوعي، فتؤثر في طريقة تقييم الواقع الراهن.
وعندما يتعلق الأمر بشعب كامل، تتحول هذه الإتاحة إلى ذاكرة جماعية، إلا أن لهذه الآلية ثمنًا.
فالمجتمع الذي يعتقد باستمرار أنه يقف على حافة الهاوية قد يجد صعوبة في إدراك حجم قوته، ويميل إلى التقليل من قيمة إنجازاته، وتضخيم قوة كل خطر، والتعامل مع كل خلاف داخلي باعتباره مؤشرًا إلى خراب شامل.
ويظهر ذلك، وفق نوي، في الخطاب العام داخل إسرائيل، حيث تُمنح كل أزمة أمنية أو سياسية أو اجتماعية، خلال ساعات قليلة، توصيفات مثل «نهاية الدولة»، و«خراب الهيكل الثالث»، و«ضاع كل شيء»، و«لا مستقبل لنا هنا».
ويرى الكاتب أنه لا تكاد توجد أمة أخرى في العالم الديمقراطي تتنبأ بنهايتها بهذه السرعة.
وتساءل نوي عما إذا كان ذلك يمثل تشاؤمًا، قبل أن يرجح أنه قد يكون آلية بقاء قديمة.
فعلى مدى أجيال طويلة، كان اليهود الذين يرصدون الخطر مبكرًا ينجحون أحيانًا في الهروب قبل وقوع المذابح، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، أو إنقاذ عائلاتهم، ولذلك تحولت الحيطة والحذر إلى استراتيجية للحياة.
إلا أن الآلية التي كانت فعالة في زمن الشتات لا تتلاءم بالضرورة مع واقع الدولة ذات السيادة.
فإسرائيل، بحسب الكاتب، ليست جماعة يهودية عاجزة عن حماية نفسها في بولندا خلال القرن الـ17، أو في أوروبا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، بل قوة إقليمية تتمتع بقدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية وسياسية غير مسبوقة في تاريخ الشعب اليهودي.
وهنا، بحسب نوي، يكمن التحدي الأكبر للصهيونية، التي لم تسع فقط إلى إقامة دولة، بل إلى تغيير نفسية اليهودي، وتحويله من شخص يصنع التاريخ أحداثه من حوله، إلى شخص يكتب التاريخ بنفسه.
وقد نجحت هذه الثورة إلى حد كبير على المستويات العسكرية والعلمية والاقتصادية، لكنها قد لا تكون اكتملت بعد على مستوى الوعي.
ولهذا، وبعد نحو 80 عامًا على قيام إسرائيل، لا يزال النقاش يدور بين وعيين مختلفين.
الأول هو وعي الشتات، الذي يرى العالم مكانًا معاديًا، ويعتبر كل نجاح مؤقتًا، وكل انتصار قابلًا لأن ينتهي بكارثة.
أما الثاني، فهو وعي السيادة، الذي يرى في إسرائيل المرة الأولى منذ 2000 عام التي أصبح فيها مصير الشعب اليهودي في يديه بصورة أساسية.
وأرفق المقال صورًا لطيارين من سلاح الجو الإسرائيلي أثناء عودتهم من ضربة في إيران، وطائرة إسرائيلية قبيل تنفيذ هجوم هناك، إضافة إلى صورة من معسكر أوشفيتز بيركيناو.
كما تضمن صورة للجيش الإسرائيلي في بيروت خلال عملية «سلامة الجليل» والحرب الإسرائيلية الأولى على لبنان، إلى جانب صورة لمؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتسل.
ويخلص نوي إلى أن المعركة الأهم التي يخوضها هذا الجيل قد لا تكون محصورة عند حدود إسرائيل، بل تدور داخلها أيضًا، بين الذاكرة والواقع، وبين المخاوف الموروثة من التاريخ والقوة التي بُنيت بالأيدي.
وبذلك، لا يكمن التحدي الإسرائيلي في امتلاك القوة فحسب، بل في القدرة على رؤيتها والتصرف كدولة ذات سيادة، لا كجماعة لا تزال تنتظر الكارثة المقبلة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|