الكنيست يختار أولوياته... والجنود الإسرائيليون خارج الحسابات
اختُتمت الدورة البرلمانية في إسرائيل بإقرار قانون أساس يكرّس مكانة دراسة التوراة، من دون اتخاذ أي خطوة فعلية لمصلحة الجنود وعائلات الاحتياط الذين يتحملون أعباء الحرب منذ نحو 3 سنوات، في مشهد اعتبرته محامية إسرائيلية رسالة قاسية إلى «الجمهور الذي يخدم الدولة»، مفادها أن هناك أولويات تتقدّم عليه.
وفي مقال رأي نشرته المحامية روتم أفيدار تساليك في قناة "N12" الإسرائيلية، رأت أن الأحزاب الحريدية تمنح الإسرائيليين سببًا جديدًا للإعجاب بها، «ليس بسبب سموّ النفس أو التفاني، ولا بسبب التضامن أو الوقوف في وقت الشدة، بل بسبب المثابرة والانضباط والقدرة على تحديد هدف والانطلاق نحوه بعيون مغمضة، من دون ارتباك أو تردد أو توقف حتى تحقيقه».
وأشارت إلى أن الاتفاق السياسي مستمر، مع دفع تشريعات جديدة بعد إقرار «قانون أساس: دراسة التوراة»، مشبّهة ما يجري بمباراة كرة قدم يديرها مدرب خطط لخطوات كثيرة مسبقًا، فيما يندفع اللاعبون في الملعب بلا قيود، «ومن دون اعتقالات أيضًا»، ويحاصرون الخصم من كل اتجاه من دون ترك أي ثغرة.
وبحسب أفيدار تساليك، فإن الهدف الأساسي داخل الكنيست يتمثل في تسجيل هدف عبر قانون الإعفاء من التجنيد، وتثبيت إعفاء شامل لكل شاب في سن الخدمة العسكرية يُصنّف على أنه «طالب توراة».
وأضافت أن المسار لم ينجح بالطريقة التي أرادها داعموه، فيما دخلت العملية «الدقيقة 90» قبل صافرة النهاية، ما دفعهم إلى استخدام جميع الأدوات المتبقية، وخلع القفازات والعودة إلى الملعب بتعزيزين إضافيين، هما قانون الحضانات وقانون إلغاء الاعتقالات، اللذان يهدفان إلى معالجة المشكلات التي بدأ قانون الإعفاء من التجنيد بإنتاجها.
ورأت أن المساعي لم تعد تكتفي بهذه التعزيزات، بل باتت تبحث عن «شبكة أمان حقيقية» تمنح الضربة القاضية، وهو ما مثّله، في رأيها، «قانون أساس: دراسة التوراة»، الذي يهدف إلى توفير مرتكز دستوري أوسع لقيمة دراسة التوراة، وبالتالي تعزيز الإجراءات والتشريعات المرتبطة بها.
وفي المقابل، قالت الكاتبة إن النظر إلى الجهة الأخرى من الملعب لا يثير الإعجاب، بل يكشف عن ألم عميق، مؤكدة أنها لا تكتب من المدرجات، بل تعيش هذه الوقائع يوميًا.
وأوضحت أنها أمضت نحو 3 سنوات داخل الكنيست، بين اللجان والممرات والاجتماعات والنقاشات، ورأت عن قرب كيفية اتخاذ القرارات والمجالات التي تُستثمر فيها الطاقة السياسية.
وفي الفترة نفسها، كانت زوجة لقائد مقاتل في قوات الاحتياط خدم مئات الأيام منذ بداية الحرب، ما جعلها تعرف ثمن هذه الخدمة ليس فقط من خلال النقاشات البرلمانية، بل أيضًا من داخل منزلها، عبر الأطفال الذين ينتظرون والدهم، والتحديات اليومية، والواقع الذي تعيشه آلاف عائلات الاحتياط منذ نحو 3 سنوات.
وقالت إن «الجمهور الذي يخدم» يحمل الدولة على كتفيه منذ 3 سنوات، بعدما أمضى أفراده مئات الأيام في الاحتياط، فيما تفككت عائلات تحت وطأة العبء، وانهارت أعمال تجارية، ونشأ أطفال لأشهر طويلة من دون أب في المنزل، واضطرت نساء إلى إدارة المنزل والعمل والأطفال بمفردهن، وخسر أشخاص أصدقاءهم وصحتهم ومصادر رزقهم.
وأضافت أن هذا الجمهور لم يطلب التصفيق أو إقامة تمثال له في ساحة عامة، بل أراد من الدولة أن تتذكر من حملها على ظهره خلال أصعب فتراتها.
إلا أن الوصول إلى المرحلة الأخيرة من دورة الكنيست كشف، وفق المقال، الجهة التي استُثمرت فيها كل الطاقة السياسية، إذ لم تُوجّه نحو «قانون أساس: الخدمة»، أو دعم عائلات الاحتياط، أو معالجة الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الـ3 الماضية، بل نحو المزيد من الخطوات الرامية إلى تثبيت الإعفاء من الخدمة العسكرية وضمان استمراره.
ورأت أفيدار تساليك أن هذا هو الجانب الأكثر إيلامًا، معتبرة أنه من غير المقبول، بعد كل ما مرّ به الإسرائيليون وما قد يمرون به، وبعد جميع الأثمان التي دُفعت ولا تزال تُدفع، أن ينهي الكنيست دورته برسالة إلى الجمهور الذي يخدم لا تقول: «لقد رأيناكم»، بل: «هناك أمور أهم منكم».
وتساءلت عن الشكل الذي كان ينبغي أن تبدو عليه صافرة نهاية دورة الكنيست، معتبرة أن المطلوب كان إقرار «قانون أساس: الخدمة»، بما يكرّس الخدمة في الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية قيمةً أساسيةً في المجتمع الإسرائيلي.
وأوضحت أن هذا القانون كان يجب أن يرفع قيم التفاني للدولة والتضامن والتكافل المتبادل والمسؤولية المشتركة عن حماية إسرائيل، وأن ينص على التزام الدولة بتوفير مظلة حقيقية من الأولوية والأفضلية لمن يخدمونها، تشمل الإسكان والضرائب والتوظيف والتعليم والحضانات والصحة ومجالات أخرى تحدد الدولة من خلالها سلّم أولوياتها.
وشددت على أن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تُقدّم بوصفها امتيازات، بل انطلاقًا من كونها مصلحة وطنية لإسرائيل.
وأضافت أن الجمهور الذي يخدم يشكل البنية التحتية التي تستند إليها الدولة أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، محذّرة من أن استمرار إنهاكه وتحميله المزيد من الأعباء وإبلاغه بأنه سيبقى دائمًا في آخر الصف لن يجعل العسكريين وحدهم يدفعون الثمن، بل المجتمع الإسرائيلي بأكمله.
ورأت أن تعزيز الفئة التي تؤدي الخدمة ليس سياسة قطاعية، بل مصلحة وطنية، ليس فقط لأنه الخيار الأخلاقي، وإنما لأنه الخطوة الأذكى التي يمكن أن تتخذها إسرائيل لضمان مستقبلها.
وفي الإجابة عن سؤال «ماذا الآن؟»، قالت إن العمل الحقيقي يبدأ في هذه المرحلة، لأن على الدولة أن تقرر القيم التي تختار وضعها في المركز، والفئات التي تريد تعزيزها، والأساس الذي تسعى إلى بناء مستقبلها عليه.
وأضافت أن الدولة التي لا تعرف كيف تضع في صدارة أولوياتها من يستعدون للمخاطرة بحياتهم دفاعًا عنها هي دولة فقدت بوصلتها.
وأكدت أن استعادة هذه البوصلة ممكنة وضرورية، ليس فقط لمصلحة الجمهور الذي يخدم، بل لمصلحة إسرائيل بأكملها، لأن دعمه لا يمثل معروفًا يُقدّم إلى مجموعة محددة، بل وسيلة لضمان وجود دولة قوية وآمنة ومتماسكة ومزدهرة بعد 20 أو 30 عامًا.
وختمت بالإشارة إلى أن الحكومات والكنيستات تتبدل، كما تتغير القوانين، داعية الإسرائيليين، قبيل وضع أوراقهم في صناديق الاقتراع في الانتخابات المقبلة، إلى طرح سؤال واحد: من ينوي فعلًا وضع الفئة التي تؤدي الخدمة في رأس سلم الأولويات الوطنية؟ ومن لن يكتفي بشكر الجنود في الاحتفالات والخطابات، بل سيحوّلهم إلى أولوية فعلية للدولة؟
وخلصت إلى أن الجمهور الذي يخدم وقف في الجبهة طوال 3 سنوات، وقد حان الوقت لأن تضعه إسرائيل في مركز اهتمامها.
يُذكر أن المحامية روتم أفيدار تساليك هي المديرة العامة ومؤسسة لوبي العسكريين، وزوجة جندي في قوات الاحتياط، ما يمنح مقالها بعدًا شخصيًا وسياسيًا في آن، ويعكس اتساع الشرخ داخل إسرائيل حول توزيع أعباء الخدمة ومن يتحمل كلفة الحرب.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|