أيام حاسمة... ترامب يدرس قصف "بيك آكس ماونتن" وإيران تهدّد بهجوم مدمّر
تعثّر "المناطق التجريبية"…معركة خرائط أم معركة سيادة؟
لأسباب لم تُعلن صراحة، أُرجئ الاجتماع العسكري الذي كان مقرراً عقده افتراضياً بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية. وتوقّف العمل بمشروع "المناطق التجريبية"، بعدما فرض انتشار الجيش اللبناني، بالشكل الذي ظهر عليه، إعادة النظر في المناطق التي صنّفتها إسرائيل على أنها "تجريبية". فقد أوضح الجيش، من خلال انتشاره في شوارعها، أنها بلدات غير خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، ما استوجب اختيار مناطق أخرى محتلة بديلاً منها لتكون مناطق تجريبية.
وأحدثت خطوة الجيش إرباكاً في الموقف الإسرائيلي، الذي كان يسعى إلى الإيحاء بوجود انسحاب، إلى درجة أن الإعلان عن خطوة كهذه كان سيحظى بإشادة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنذ مفاوضات واشنطن وصولاً إلى اجتماعات روما، كانت إسرائيل تتنصل في كل مرة من الالتزام بجدول زمني للانسحاب من جنوب لبنان. وما كانت تتكتم عن الإفصاح عنه بشأن نياتها المبيتة بالبقاء في الجنوب، كان إعلامها يتولى الإعلان عنه. وكان آخر التبريرات الإسرائيلية والتذرع بأسباب تقنية وعملانية استوجبت تأجيل الاجتماع العسكري إلى موعد يُحدد لاحقاً.
وردّت إسرائيل على الرسالة غير المباشرة التي وجّهها الجيش اللبناني عبر انتشاره في الجنوب، فأعادت خلط الأوراق التي جرى الاتفاق عليها في روما. وبحسب المعلومات، لاقت خطوة الجيش تفهماً من لجنة "السنتكوم"، فيما عبّر جناح أميركي في واشنطن عن انزعاج واسع منها، ما ضاعف غضب بعض المسؤولين الأميركيين على قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وهذا ما يجعل السؤال مشروعاً: هل كان إلغاء الاجتماع العسكري التقني قراراً أميركياً بسبب تعنت إسرائيل، أم نتيجة اعتراض إسرائيلي على آلية التنفيذ؟
الاحتمالان واردان، بعدما اتضح أن إسرائيل حاولت إظهار الوقائع على غير حقيقتها، وتصوير الانسحاب كخطوة حسن نية تسبق زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن. وهي رواية لا تبدو منسجمة مع توجه واشنطن، التي سعت، عبر لجنة "السنتكوم"، إلى الإشراف على عملية انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني.
خرائط
وعلى عكس الانزعاج الإسرائيلي من خطوة الجيش، لا يوجد في الإعلام الأميركي ما يشير إلى انهيار مشروع "المناطق التجريبية". وتنقل مصادر أميركية أن مفاوضات روما كانت "إيجابية ومثمرة"، وأن الطرفين توصلا إلى خطوط إرشادية لتنفيذ المرحلة الأولى، مع انتقال الملف إلى مرحلة تقنية لاستكمال التفاصيل التنفيذية. لذلك، بدا خبر إلغاء الاجتماع التقني أقرب إلى التأجيل أو التعثر المرحلي منه إلى نسف كامل للمشروع.
ويؤكد الإعلام الإسرائيلي وجود خلاف أميركي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكشف موقع «أكسيوس» أن الرئيس ترامب طلب من نتنياهو البدء بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في لبنان وسوريا، إلا أن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين لا يتوقعون أن يستجيب نتنياهو إلا في حدود الالتزامات التي سبق أن تعهد بها. كما نقلت صحيفة «هآرتس» عن مصدر أميركي أن واشنطن تؤيد وحدة الأراضي اللبنانية، في حين يصر نتنياهو على أن إسرائيل لن تنسحب في المستقبل المنظور. ويؤكد ذلك وجود تباين حقيقي بين واشنطن وتل أبيب، وليس مجرد خلاف تكتيكي.
ولم يرفض نتنياهو الانسحاب بالمطلق، إذ تحدثت مصادر إسرائيلية إلى وسائل إعلام إسرائيلية عن قبول فكرة "المناطق التجريبية" كمرحلة أولى، مع رفض الانسحاب الواسع من جنوب لبنان، والإصرار على الاحتفاظ بالمنطقة الأمنية، وربط أي انسحاب بالتأكد من عدم عودة حزب الله إلى تلك المناطق. وبذلك، فإن الخلاف يدور حول سرعة التنفيذ والضمانات أكثر مما يدور حول مبدأ المشروع نفسه.
صحافة اليوم ملخص
في المقابل، تشهد إسرائيل نقاشاً متزايداً حول جدوى البقاء العسكري في الجنوب. وحتى رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك حذّر علناً من أن إسرائيل قد تكرر تجربة "الحزام الأمني"، التي انتهت بالانسحاب عام 2000، معتبراً أن الاحتلال الطويل لا يحقق الأمن، بل يستنزف إسرائيل. ومن خلال ما نُشر في الصحافتين الأميركية والإسرائيلية، يمكن استخلاص وجود إصرار أميركي على المضي في مشروع "المناطق التجريبية"، يقابله تحفظ إسرائيلي على وتيرة الانسحاب وشروطه، لا على وجود المشروع نفسه.
وهذا يعني أن الاجتماعات ستستمر، لكن مع حذر لبناني من محاولات إسرائيل الدائمة فرض التنفيذ استناداً إلى خرائط إسرائيلية لا تعكس الواقع، وتسعى من خلالها إلى توسيع "الخط الأصفر" الذي تعتمد عليه، وإلزام الجيش بأداء مهام ترضيها، كتنفيذ مداهمات للمنازل، والتفتيش عن السلاح، ومنع دخول عناصر حزب الله إلى المناطق التجريبية التي تحددها.
وقد نسف الجيش اللبناني السردية الإسرائيلية بشأن "المناطق التجريبية". كما أبلغ حزب الله، خلال اجتماع جمعهما مؤخراً، أن عناصره ليست في وارد الصدام مع الأهالي، بل إن مهمتها حماية السكان.
وتبلّغ الجيش من حزب الله أن التعاون سيستمر كما كان عليه جنوب الليطاني، إلا أن الحزب استفسر عن طبيعة مهام ضباط "السنتكوم". ويخشى حزب الله أن تكون مهمة هؤلاء الضباط مراقبة نشاطه في المناطق التي سيتسلمها الجيش، وإبلاغ إسرائيل بأي موقف يرفض فيه الجيش تنفيذ ما تطلبه، بما يسمح لإسرائيل باتهامه بالتقاعس عن مواجهة حزب الله أو مصادرة سلاحه.
وفي المحصلة، لا يبدو أن مشروع "المناطق التجريبية" سقط، لكنه دخل مرحلة أكثر تعقيداً بفعل الخلاف على الخرائط وآلية التنفيذ ودور الجيش اللبناني. وقد نجحت إسرائيل في نقل مركز الضغط من احتلالها المستمر وخروقاتها المتواصلة إلى أداء الدولة اللبنانية والجيش، بحيث بات النقاش يدور حول ما يُطلب من لبنان تنفيذه، أكثر مما يدور حول ما ترفض إسرائيل تنفيذه.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في تعثر الاجتماع العسكري أو تأجيله، بل في أن تتحول "المناطق التجريبية" تدريجياً إلى أمر واقع، وأن يصبح دور لجنة "السنتكوم" مراقبة أداء الجيش اللبناني بدلاً من الإشراف على الانسحاب الإسرائيلي. وعندها، تكون إسرائيل قد نجحت في فرض شروط التنفيذ، فيما يبقى الاحتلال والخروقات خارج دائرة الضغط الفعلي.
غادة حلاوي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|