عاد المرض بعد 18 عاماً... قصة شفاء بشفاعة مار شربل
في قلب جبال لبنان، حيث أمضى الراهب الناسك شربل مخلوف سنواتٍ من الصمت والصلاة والتقشّف المديد، وُلدت روحانية استثنائية ما زالت تُنير الأرواح حتى اليوم. فمنذ انتقاله إلى الحياة الأبدية عام 1898، بات اسم القديس شربل مقروناً بآلاف الشهادات عن شفاءات وَنِعَم روحية وجسدية بشفاعته في لبنان ومختلف أنحاء العالم. وقد جعلت هذه الشهادات من ضريحه في عنايا أحد أبرز مراكز الحج، حيث يقصده المؤمنون من مختلف الجنسيات والديانات طلبًا للشفاء والرجاء، كما لو أن نور المحبسة وسراجه في دير مار مارون عنايا لا يزال يتسرّب من وراء الجبال ليلامس قلوب البائسين. وبينما تخضع هذه الحالات لتحقيقات دقيقة من قبل اللجان الطبّية والكنسية قبل الاعتراف بأيّ أعجوبة، تستمر روايات المؤمنين في استقطاب الاهتمام لما تحمله من أبعاد إنسانية وروحية عميقة.
ومن بين هذه الشهادات، تبرز قصة جان عبد الله مطر، التي تمتد على سنوات طويلة، وتروي رحلة مع المرض والإيمان والشفاء. وتُعد شهادته من أبرز الحالات المنسوبة إلى شفاعة قدّيس القدّيسين شربل والأخ اسطفان نعمة، إذ شُفي عام 2008 من التهاب حاد في البنكرياس، لكنه لم يسجّل ما حصل معه كأعجوبة في حينه، قبل أن يعاوده المرض عام 2026، فتعود قصته إلى الواجهة من جديد.
ويروي مطر بداية رحلته مع المرض قائلاً: "في العام 2008 شعرت بآلام مبرحة، وتبيّن بعد الفحوصات أنني أعاني من التهاب في البنكرياس. وفي كل مرة كنت أدخل إلى المستشفى كانوا يضعون لي المصل وأُحقن بالمورفين، وهو المهدئ الوحيد الذي كان يخفّف آلامي، فيما كان الأطباء يمنعونني من الأكل والشرب لأيام، وربما لشهر كامل، لأن هذا المرض لا دواء شافيًا له."
ويضيف: "في إحدى المرات عام 2008 دخلت إلى المستشفى وأنا أعاني من أوجاع شديدة، وكان التهاب المرارة قد امتد إلى البنكرياس. وأظهرت الفحوصات أن المعدل الذي يفترض أن يكون بين صفر وخمسة بلغ نحو 300."
ويتابع: "خلال وجودي في المستشفى، أحضرت زوجتي الراحلة زيت القديس شربل، ومسحت به معدتي، وفي تلك اللحظة صرخت طالبًا شفاعة مار شربل وقلت له: لا تتركني. وفجأة اختفى الوجع وشعرت أنني شُفيت."
ويلفت جان مطر إلى أن مرضه عاوده عام 2026، فعانى مجددًا من الآلام نفسها. ويقول: "راجعت الطبيب، ووصف لي الأدوية، لكن حالتي لم تتحسن، فطلب إجراء فحوصات جديدة، ليتبين أنني أعاني مرة أخرى من التهاب في البنكرياس. عندها تساءلت: لماذا عاد المرض"؟.
ويضيف: "دخلت مستشفى أوتيل ديو عند الساعة الواحدة ظهرًا، وأحضروا لي إبرة مورفين، فتذكرت ما حدث معي قبل سنوات. وضعت الزيت الممزوج بدم القديس شربل على معدتي وصرخت: "وينكم... تركتوني؟". وفجأة اشتد الوجع للحظات ثم اختفى تمامًا."
ويتابع: "عند الساعة السادسة مساء أحضروا لي إبرة مورفين ثانية، لكنني رفضتها، كما رفضت الامتناع عن الطعام. استغرب الأطباء ما حصل، وبعد إعادة الفحوصات تبيّن أنني شُفيت، رغم أنها كانت قد أظهرت وجود مياه في المعدة، وكانت حالتي تُعدّ خطرة وقد تؤدي إلى الوفاة."
ويختم جان مطر حديثه قائلاً: "عندما زرت مزار القديس شربل لتسجيل الأعجوبة، سألت الأب لويس مطر: لماذا عاودني المرض إذا كان القديس شربل يشفي الإنسان من المرض نفسه؟ فأجابني مبتسمًا: "عم يزكزكك لتسجل الأعجوبة...".
وبين سنوات المرض والشفاء وعودة المعاناة، تبقى شهادة جان مطر واحدة من القصص اللافتة المرتبطة بشفاعة القديس شربل. أما الاعتراف الرسمي بأي أعجوبة، فيبقى من اختصاص السلطات الكنسية بعد استكمال جميع التحقيقات الطبية والروحية المقرّرة.
والقديس شربل مخلوف ليس مجرّد اسم يُستحضر عند الضيق، بل هو علامة لاهوتية راسخة في قلب الكنيسة المارونيّة وتاريخها العريق. فقد وُلد عام 1828 في بقاع كفرا، وانتسب إلى الرهبانية اللبنانية المارونية، التي حملت على مدى قرون مشعل الإيمان المسيحي في الشرق، فكانت مدرسة النسك والعلم والحضور الروحاني في آنٍ واحد. وقد اختار شربل طريق الوحدة مع الله طريقاً لا تنازل فيه، فأمضى الأعوام الثلاثة والعشرين الأخيرة من حياته ناسكاً في صومعة القدّيسين بطرس وبولس في عنايا (والتي أصبحت معروفة باسم محبسة مار شربل)، بعيداً عن ضجيج العالم، في صمتٍ كان أعمق من أي كلام.
وحين توفّي عشيّة عيد الميلاد عام 1898، لم يُرِد الله أن يبقى عبده في طيّ النسيان، فظهر نورٌ فوق قبره حمل الناس على فتحه، فوجدوا جسده سليماً يفوح منه عطرٌ ودمٌ وعَرَق، وهي علاماتٌ أدهشت الأطباء والعلماء قبل أن تُبهر المؤمنين. وكانت هذه البداية لمسيرة القداسة التي أفضت إلى تطويبه عام 1965 ثم إعلان قداسته عام 1977 على يد البابا بولس السادس، فكان شربل مخلوف أول قديس شرقي يُعلن قديساً بالشكل المسكوني الكامل في العصر الحديث، ليغدو بذلك رسالة الكنيسة المارونيّة إلى العالم أجمع: رسالة النعمة في الضعف، والقوّة في الصلاة، والحياة في الموت.
واليوم، يتجاوز تأثير القديس شربل حدود لبنان والمشرق، ليصل إلى أصقاع المعمورة. فقد بات ضريحه في عنايا وجهةً لملايين الحجّاج من أوروبا والأميركيتين وأفريقيا وآسيا، من مسيحيين ومسلمين وغيرهم، يتقاطرون إليه حاملين جراحهم ورجاءهم. وفي كلّ شهادة شفاء جديدة، تتجدّد الدعوة إلى التساؤل عن سرّ هذا القديس الذي اختار أن يكون لا شيئاً أمام الله كي يكون كلّ شيء للناس. وفي هذا المعنى، يُكثّف القديس شربل روحانية الرهبانية اللبنانية المارونية في أبهى صورها: الوحدة التي تُثمر شركة، والصمت الذي يُعلّم، والموت الذي يُعطي الحياة. يواصل المؤمنون اليوم زيارة دير مار مارون-عنايا، حاملين صلواتهم وآلامهم ورجاءهم، ومستمدّين من روحانية القديس شربل شجاعة الإيمان وثقة التسليم بيد الله، في عالمٍ يبحث عن معنى وسط ضجيجه، ويُنصت لعلّه يسمع صوت الصمت القادم من عنايا.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|