عربي ودولي

كيف كشفت جلسة الكونغرس أزمة السردية الأميركية في الحرب على إيران؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

وصف سيناتور أميركي، في جلسة علنية حديثة للكونغرس الأميركي، وزير الحرب بيت هيغسيث بـ"الفاشل"، على خلفية مقتل جنود أميركيين بصواريخ إيرانية مؤخراً، على الرغم من تأكيد إدارة ترامب أكثر من مرة أنها دمّرت القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل.

يكشف مثل هذا الوصف العلني نتيجة مهمة في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، مفادها أن الإدارة الأميركية لم تفلح عملياً في إقناع الكونغرس الأميركي والرأي العام الداخلي بسردية الانتصار والنجاح في تدمير المقدرات والقدرات العسكرية الإيرانية. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كانت إدارة ترامب قد فشلت داخلياً، فكيف ستقنع العالم بهذه السردية خارجياً؟

ما كشفته جلسة الكونغرس، عبر وصف وزير الحرب الأميركي بـ"الفاشل"، يعكس حالة التصدع الكبير في المصداقية على الصعيد الداخلي، ويجعل تسويق الرواية والسردية الأميركيتين خارجياً، وإقناع العالم بأن الحرب تؤتي ثمارها، أكثر صعوبة. قد ينظر البعض إلى هذا التطور على أنه نهاية لمسار الحرب، لكن، في تقديري، هو بداية مرحلة استنزاف طويلة، مع الفشل في تحقيق أهداف الحرب على إيران.

وينسجم هذا التقدير تماماً مع ما ذهبت إليه الاستخبارات الأميركية، مؤخراً، في تقييم حديث كشفت عنه صحيفة "واشنطن بوست"، في الـ 20 من تموز/يوليو الجاري، ومفاده أن الضربات الجوية الأميركية لن تدفع إيران إلى التراجع أو الاستسلام.

ويخلص التقييم الاستخباري الأميركي، بحسب مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، إلى أن الضربات العسكرية وحدها لن تجبر إيران على تقديم تنازلات نتيجة موجات الضربات الأميركية الجارية.

السردية جزء من إدارة الحرب
لم تعد السردية مجرد أداة إعلامية تُستخدم في الحروب، بل أصبحت جزءاً من إدارة الحرب نفسها. والولايات المتحدة، التي تعجز عن حماية سرديتها، حتى إن امتلكت تفوقاً عسكرياً، تخاطر بذلك بمرتكز أساسي وجزء من نفوذها السياسي.

فالقوة في عالمنا اليوم لا تُقاس بالترسانة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على إنتاج سردية صادقة ومتماسكة وقابلة للإقناع.

وتكتسب جلسة الكونغرس الأميركي التي انعقدت مؤخراً أهمية تتجاوز حدود الخلاف بين الأحزاب الأميركية. فما بدا في ظاهره سجالاً سياسياً يحمل، في جوهره، مؤشرات على تصدع السردية الأميركية التي حاول الرئيس ترامب، مراراً وتكراراً، ترسيخها عقب الحرب على إيران، في كل إطلالة إعلامية أو تغريدة أو لقاء صحافي.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه إدارة ترامب وروّجت أنها وجّهت ضربات قاصمة أنهت القدرات العسكرية الإيرانية، جاءت أسئلة المساءلة من أعضاء في الكونغرس الأميركي، ورافقتها انتقادات لاذعة لمسؤول رفيع كوزير الحرب، وما أُثير بشأن مقتل جنود أميركيين بصواريخ إيرانية، لتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى انسجام السردية الرسمية التي تُصدَّر إلى الرأيين العامين الداخلي والخارجي مع الوقائع على الأرض.

وحين تأتي الانتقادات من داخل الكونغرس، فإن المسألة لا تعود خلافاً بين قطبي الأحزاب، بل تصبح اختباراً لمدى صلابة الرواية والسردية داخل الإدارة الأميركية نفسها.

وفي السياسة، من المعروف أن المصداقية تُبنى على قدرة الإدارة الأميركية، بوصفها سلطة حاكمة، ومن ينوب عنها، كوزارة الحرب، على الصمود أمام المساءلة، لا على تكرار خطاب وسردية لا رصيد لهما على أرض الواقع، أو يتناقضان مع الوقائع.

ثمة مسألة مهمة في هذا السياق، وهي أن العالم اليوم لا يراقب بيانات البيت الأبيض فحسب، بل يتابع عن كثب جلسات الكونغرس والتحقيقات التي ترافقها، وكل ما يصدر عنها يُعدّ مؤشراً على مدى قوة الرواية والسردية الرسميتين أو هشاشتهما.

وحين تتعدد الروايات، يصبح من الصعب مطالبة الداخل الأميركي، أو حتى العالم، بتصديق الإدارة الأميركية من دون تحفظ أو تشكيك.

الحروب تُدار بالسلاح والسردية
علّمتنا السياسة شيئاً مهماً، وهو أن الحروب لا تُدار بالعدة والعتاد العسكري فقط، بل بالسردية والقدرة على جعلها قابلة للتصديق. وأشارت تجارب الحروب كلها إلى نتيجة مفادها أن القضية ليست من بدأ إطلاق النار، ولا من هو القادر على الاستمرار، بل من نجح في إقناع العالم بسرديته وبأنه صاحب الموقف الأكثر شرعية في هذه الحرب.

وشاهدنا جميعاً كيف تراجعت صورة "إسرائيل" ومكانتها عالمياً نتيجة الحرب على غزة، وتأثير السردية الفلسطينية في نقل الحقيقة إلى العالم، وهنا يتكرر المشهد بالطريقة ذاتها. ولطالما شاهدنا كيف استثمرت دول بعينها ملايين الدولارات في الإعلام الاستراتيجي من أجل روايتها وسرديتها، لأنها تدرك أن الرأي العام يتشكل بقوة السردية والحجة والإقناع، وهو ما لا تمنحه القوة العسكرية وحدها.

وانطلاقاً من هذه القاعدة، لا بد من الإشارة إلى أن السردية لا تُفرض بالقوة، كما يعتقد البعض. وهنا أستحضر تغريدات الرئيس ترامب المتكررة، التي فقدت رصيدها وضاعت هيبتها بسبب افتقار معظمها إلى المصداقية. فالمصداقية ليست قرارات سياسية، وإنما هي رصيد يتراكم عبر الاتساق بين الأقوال والأفعال على الأرض في أي حرب دائرة.

وهذا يوصلنا إلى نتيجة مفادها أنه كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي للرئيس ترامب والوقائع على الأرض، بدأت الثقة تتآكل وتتصدع، حتى لو بقيت القدرات العسكرية على حالها.

وهنا تواجه إدارة الرئيس ترامب تحدياً بالغ التعقيد في مسألة السردية والمصداقية، اللتين باتتا، بعد جلسة الكونغرس، على المحك. فالمشكلة ليست فقط في الدفاع عن نتائج الحرب على إيران، وإنما في الدفاع عن السردية التي صاغتها لتفسير هذه النتائج.

فالإعلان عن تحقيق نصر حاسم، أكثر من مرة، على لسان الرئيس ترامب، رفع سقف التقديرات، لكنه، في الحقيقة، جعل التطورات اللاحقة في حالة تناقض بين التمنّي والرغبات وبين حقيقة الواقع على الأرض.

معركة تفسير نتائج الحرب
قدم التاريخ السياسي الحديث أمثلة كثيرة تؤكد أن الدول لا تخسر كثيراً عندما تتعرض لانتكاسة عسكرية، فهي تكون واضحة، وإنما تخسر أكثر عندما تفقد القدرة على إقناع الآخرين بتفسير هذه الانتكاسة، أو إعادة تأطيرها، أو الدفاع عن سرديتها.

وفي تقديري، تجاوز الصراع الدائر في الولايات المتحدة مرحلة حسم الحرب وتحديد من حقق النتائج، إلى معركة الوعي وتفسير نتائج الحرب. وأصبحت السردية الرسمية داخل الكونغرس الأميركي موضع تشكيك، وبات خصوم الرئيس ترامب من الديمقراطيين يستثمرون ذلك سياسياً، عبر المقارنة بين بيانات الإدارة الأميركية الرسمية وبين النتائج والخسائر على الأرض.

وأهم معضلة وتحدٍّ تواجههما إدارة ترامب ليسا قوة السردية الإيرانية، على الرغم من أهميتها في المعادلة، بل تحوّل السردية الرسمية في الولايات المتحدة نفسها إلى موضوع خلاف داخلي.

فالسؤال اليوم لم يعد: هل صدّق العالم سردية الإدارة الأميركية؟ بل أصبح: هل صدّقت واشنطن نفسها روايتها وسرديتها؟ وهذه هي النقطة الفاصلة بين القوة والمصداقية.

قد تفرض القوة العسكرية واقعاً معيناً لفترة محدودة، أما مصداقية السردية فهي التي تمنح ذلك الواقع شرعية سياسية دائمة، وهذا ما عملت إيران على تحقيقه، من خلال توثيق وتثبيت ما يصدر عنها من سرديات رسمية.

من أزمة سردية إلى أزمة نفوذ
يكشف ما جرى في الكونغرس تراجع الثقة في السردية الأميركية الرسمية، وهذا لا يمثل أزمة إعلامية عابرة، بل سيتحول تدريجياً إلى أزمة نفوذ تمتد آثارها إلى السياسة الخارجية الأميركية وتحالفات إدارة ترامب.

ولعل من أهم أدوات القوة في العلاقات الدولية السردية وقوتها، لذلك من الخطأ اختزال ما جرى في الكونغرس باعتباره مجرد مشادة كلامية سياسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالقضية، في أساسها، ليست خاصة بحزب بعينه، بل هي أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بحسابات كبيرة وارتدادات أكبر.

روّجت الولايات المتحدة، مراراً وتكراراً، أنها تمتلك ترسانة هائلة، وأنها انتصرت في حربها على إيران، لكنها لم تنجح في إقناع الداخل الأميركي بذلك. وإذا كانت القوة العسكرية تصنع وقائع على الأرض، فإن السردية الصادقة هي التي تمنحها معناها. لذلك، فإن تصدع السردية الأميركية لا يمثل تحدياً إعلامياً لإدارة الرئيس ترامب فحسب، بل يكشف عن معركة أعمق بكثير تدور في الولايات المتحدة حول تفسير أهداف الحرب وتأثيراتها وانعكاساتها، وحول حدود القوة الأميركية نفسها.

وحين تتعثر الرواية والسردية في إقناع الداخل الأميركي، يصبح تسويقهما خارجياً أصعب بكثير، لأن العالم يقرأ تماسك الداخل قبل أن يقرأ البيانات الرسمية الصادرة عنه.

فضحت جلسة الكونغرس تصدع السردية الأميركية داخلياً، وفي الزاوية الأخرى من الصورة، كسبت إيران المصداقية في سرديتها التي رسمت معالم مهمة جداً في ساحة الاشتباك المستمر؛ سردية مفادها أن الاستسلام ليس في قاموس إيران، وأن الرهان على ذلك، عبر سرديات غير واقعية، هو رهان على سراب.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا