الصحافة

انسحاب اليونيفيل... هزيمة مضافة لأهالي الجنوب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

نحن أبناء الجنوب، وأنا واحد منهم، نشأنا على وقع أسماء ومصطلحات أصبحت جزءاً من ذاكرتنا الجماعية: قوات الأمم المتحدة، اليونيفيل، قوات حفظ السلام، وقوات الطوارئ الدولية. ولم تكن هذه التسميات مجرد عناوين في نشرات الأخبار، بل كانت واقعاً يومياً رافق حياتنا منذ العام 1978، عندما وصلت قوات الأمم المتحدة إلى جنوب لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي الأول لمنطقة الليطاني.

أذكر جيدًا المرّة الأولى التي رأيت فيها جنود اليونيفيل على ضفاف نهر زوطر، في منطقة علمان – دير سريان. كانت هناك وحدات إيرانية في عهد الشاه، وأخرى أيرلندية. وبالنسبة إلى طفل في ذلك الوقت، لم يكونوا جنودًا غرباء، بل كانوا أشخاصاً يشاركوننا السباحة، ويقدّمون لنا بعض الطعام الذي يحملونه معهم، ويتعاملون معنا بإنسانية واحترام تركا أثراً عميقًا في نفوسنا. 

كما أتذكر يوم أسرنا جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال عملية ضده في بلدة دير سريان المحتلة. وسريعاً حضرت قوة من قوات الطوارئ الدولية إلى أرض المعركة وسجلت محضراً وسألتنا عن أسمائنا، ولأي جهة ننتمي لكون المنطقة ضمن عملها. وما أدركته لاحقاً أن قدومها في تلك اللحظة هو من مَنَع الاحتلال وعملاءه من إجراء عمل ميداني بحقنا مثل التصفية الجسدية، كما حصل مع الكثير من مجموعات المقاومة الوطنية  في الميدان.

كبرنا، وبقيت اليونيفيل. لكنَّ وعينا كبُر أيضاً، فأدركنا أن وجودها لم يكن سياحياً، ولا رمزيًا، بل جاء نتيجة حرب واحتلال، وأن مهمتها الأساسية هي حفظ السلام، ومراقبة الالتزام بالقرارات الدولية، والتخفيف من آثار الصراع على المدنيين.

ومع مرور السنوات، أصبحت قوات اليونيفيل جزءاً من النسيج الاجتماعي في قرى الجنوب. شاركت الناس مناسباتهم الوطنية والدينية، وأقامت معهم علاقات إنسانية وثيقة. ولم يقتصر دورها على الجانب الأمني، بل امتد إلى دعم المدارس والمستوصفات، وتنفيذ مشاريع إنمائية وبيئية، وتقديم مساعدات طبية وزراعية واجتماعية، وتأمين فرص عمل لمئات الشبان والشابات في القرى الجنوبية.

وفي كثير من الأحيان، قدّمت اليونيفيل خدمات عجزت الدولة اللبنانية أو قوى الأمر الواقع عن توفيرها، وسدّت جزءًا من الفراغ الذي تركته مؤسسات الدولة، خصوصًا في المناطق التي عانت الاحتلال والإهمال لعقود طويلة.

لذلك، بقيت العلاقة بين أبناء الجنوب وقوات حفظ السلام قائمة على الاحترام والتعاون، سواء خلال مرحلة الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، أو خلال مرحلة حركة أمل، ولا سيما في مناطق صور والناقورة حيث المقرات الرئيسية لهذه القوات.

لكن بعد العام 2000، بدأ هذا المشهد يتغير تدريجيًا. لم تتغير مهمة اليونيفيل، ولم يتغير أهل الجنوب، بل الذي تغير هو ميزان القوى المسيطر على الأرض. فقد برزت قوة حزبية عقائدية ذات رؤية مختلفة تجاه الأمم المتحدة والدول المشاركة في قواتها، ونظرت إلى وجود اليونيفيل بعين الشك والعداء، معتبرة أنها تشكل عنصرًا غير مرغوب فيه داخل البيئة الجنوبية.

ومنذ ذلك الحين، بدأت حملة سياسية وإعلامية هدفت إلى إضعاف العلاقة التي نشأت بين الأهالي واليونيفيل. وتحوّلت الاتهامات والتحريض إلى مشهد متكرر، وصولًا إلى اعتراض دوريات القوات الدولية، والاعتداء على عناصرها وآلياتها، وإحراق بعضها، وسقوط قتلى وجرحى في أكثر من حادثة تعيق دورها ومهامها.

وغالبًا ما كانت هذه الأحداث تُقدَّم للرأي العام تحت عنوان "تحرك الأهالي"، بينما كان كثيرون يرون أنها تعكس قرارًا سياسيًا منظمًا أكثر ممّا تعبر عن موقف عفوي لأبناء القرى الجنوبية.

واليوم، ومع تصاعد الحديث عن تقليص دور اليونيفيل أو إنهائه، يجد الجنوب نفسه أمام احتمال خسارة مؤسسة دولية رافقته ما يقارب نصف قرن. وقد يكون النقاش مشروعًا حول أداء هذه القوات أو حدود نجاحها، لكن لا يمكن إنكار أنها شكلت عنصر استقرار نسبي وضمانة، ونافذة تواصل بين الجنوب والعالم، ومصدرًا مهمًا للدعم الاقتصادي والاجتماعي والإنساني.

إن رحيل اليونيفيل، إذا حصل، لن يكون مجرد تغيير في طبيعة القوة المنتشرة جنوبًا، بل سيترك آثارًا عميقة على المجتمع المحلي، وعلى آلاف العائلات التي ارتبطت بها اقتصاديًا واجتماعيًا، كما سيزيد من عزلة الجنوب في واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخه الحديث.

قد تختلف القوى السياسية في تقييم دور اليونيفيل، وقد تتباين المواقف من أدائها، لكنَّ الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المتضرر الأول من غيابها سيكون المواطن الجنوبي قبل أي طرف آخر.

لقد اعتاد الجنوب، للأسف، أن يكون ساحة لتصفية الصراعات، وأن يدفع أبناؤه أثمان الخيارات الكبرى التي تتخذ باسمهم. وإذا انتهى وجود قوات حفظ السلام الدولية، فإن الخسارة لن تكون عسكرية أو سياسية فقط، بل ستكون أيضًا خسارة إنسانية واقتصادية واجتماعية، تضاف إلى سلسلة طويلة من الخسائر التي أنهكت هذه المنطقة وأهلها ولتتجلى فعلاً فداحة تلك النكبة. 

إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الهزائم، بل إلى كل ما يعزز الاستقرار، ويعيد حضور الدولة، ويحمي الإنسان والأرض. وأي قرار يؤدي إلى فقدان عنصر من عناصر هذا الاستقرار يستحق نقاشًا وطنيًا هادئًا ومسؤولًا، بعيدًا عن الشعارات والانفعالات، لأن مستقبل الجنوب لا يجوز أن يبقى رهينة الحسابات الضيقة، بل يجب أن يكون قضية وطنية تخص جميع اللبنانيين. هنا دور الدولة بكل مؤسساتها، ووجوب التحرك المجدي في اتجاه تمديد دورها وفعاليتها، نصرة للجنوب ولأهله ونصرة للدولة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا