محليات

وليد جنبلاط في "شاهد على العصر"... حين انتصر الإنسان على السياسي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أحيانًا تأتي لحظة واحدة فتزيح الستار عن الإنسان الكامن خلف السياسي، وتكشف من المشاعر والتجارب ما عجزت سنوات طويلة من العمل والمسؤولية عن إظهاره.
وهذا ما بدا جليًا في حلقات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في برنامج «شاهد على العصر»، الذي يقدمه الإعلامي المصري أحمد منصور على شاشة قناة الجزيرة، والتي شكّلت، في تقديري، واحدة من أبرز إطلالاته الإعلامية، لأنها كشفت وجهًا آخر لشخصيته؛ وجه الإنسان الذي ظل طويلًا خلف صورة السياسي.

لم يظهر جنبلاط أمام اللبنانيين السياسي الذي عرفوه فحسب، بل تجلّى أيضًا الإنسان الذي حمل في أعماقه إرثًا مثقلًا بالألم، وذاكرةً حافلةً بالتجارب، وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية.

ولعل أكثر المحطات تأثيرًا كانت استعادته لاغتيال والده، الشهيد كمال جنبلاط.

وتحدث عن المرحلة التي تلت اغتيال والده، موضحًا أن قيادات الحركة الوطنية اللبنانية انتخبته رئيسًا لها بعد توليه قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي، غير أنه لخص موقفه من تلك المسؤولية بعبارته الشهيرة: «كمال جنبلاط شيء، ووليد جنبلاط شيء ثانٍ.»

هذه العبارة تختصر تجربة رجل لم يكن مجرد وريث لاسم كبير، بل إنسان وجد نفسه، وهو في سن مبكرة، أمام مسؤولية تاريخية جسيمة، بعدما تولّى قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي ورئاسة الحركة الوطنية اللبنانية، بكل ما حملتاه من أعباء وما أثارتاه من تأييد وخصومة، في بلد كان يعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخه قسوة، حربًا اختلف اللبنانيون في توصيفها؛ فمنهم من سماها حربًا أهلية، ومنهم من رآها حرب الآخرين على أرضنا.
لكن المؤكد أنها كانت حربًا مؤلمة تركت جراحًا عميقة في وجدان اللبنانيين، وأثبتت أن الحروب لا تخلّف منتصرين، بل أوطانًا مثقلة بالخسائر والآلام.

واستعاد جنبلاط خلال حلقات «شاهد على العصر» لحظة دفن والده، مؤكدًا أن همه الأول آنذاك كان وقف مسلسل الدم الذي طال عددًا من القرى المسيحية في الشوف.

فقد كان يدرك أن أبناء تلك القرى لم يكونوا مسؤولين عن اغتيال والده، بل كانوا بدورهم ضحايا لصراع سياسي كبير.

ويؤكد هذا المعنى ما رواه لي يومًا الصديق الراحل محسن دلول (أبو نزار)، رحمه الله، إذ أشار إلى أن وليد جنبلاط كان غاضبًا جدًا في ذلك اليوم مما تعرّض له أبناء القرى المسيحية في الجبل، ولا سيما أن من بين الذين سقطوا عددًا من أنصار الحزب التقدمي الاشتراكي ومن محبي كمال جنبلاط.

وانطلاقًا من هذا الموقف، بادر فورًا، برفقة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز آنذاك، الشيخ محمد أبو شقرا، إلى القيام بجولة ميدانية في الجبل، داعيًا إلى وقف أعمال القتل ووضع حدّ لحالة الاحتقان والانفعال.
وقد نجحت مساعيه في بعض المناطق، فيما تعثرت في مناطق أخرى، بعدما كان الوقت قد تأخر ووقعت بالفعل المآسي والمجازر التي خلّفت آثارًا مؤلمة.

وقد أسهم هذا التحرك في الحد من اتساع رقعة الفتنة الطائفية التي كان يسعى إلى إشعالها من خطّط لعملية الاغتيال ونفّذها.

كما بدا تأثره واضحًا عندما تطرق إلى اغتيال الشهيد بيار أمين الجميل.
فقد استعاد ذلك اليوم الأليم، قائلًا إنه كان في المختارة عندما وصله الخبر، فسارع إلى أحد مستشفيات بيروت، حيث استقبلته السيدة جويس الجميل واحتضنته، فيما كان الرئيس أمين الجميل يقف إلى جانب جثمان ابنه باكيًا.

غير أن ما ظل عالقًا في ذاكرته، وهو يستعيد هذا المشهد بتأثر واضح على وجهه، لم يكن فقط صورة أبٍ مفجوع وأمٍ مكلومة، بل أيضًا تلك الكلمات التي خرجت من السيدة جويس الجميل وسط ألمها وحزنها: «لماذا أتيت؟».
كلماتٌ تركت أثرًا عميقًا في نفسه، لما حملته من محبة صادقة وخوف عليه، في لحظة كانت هي نفسها تعيش فيها أقسى مشاعر الفقد والوجع.

فقد كانت، رغم قسوة مصابها، تفكر بالخطر الذي كان يلاحق وليد جنبلاط، وهو أحد أبرز قادة قوى 14 آذار.

ولم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري أقل وقعًا عليه.

فقد روى أنه كان في منزله في بيروت برفقة الوزير السابق غازي العريضي عندما سمعا دوي انفجار هائل، وما إن تأكد أن المستهدف هو الرئيس الحريري حتى توجها إلى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث أبلغهما مسؤول أمن المستشفى: «الأمر انتهى.»

وقال جنبلاط، متأثرًا وهو يستعيد تلك اللحظات: «حزنت كثيرًا على رفيق الحريري، أما والدي فلم أحزن عليه، بقدر ما غضبت بسبب قتله.»

وتكشف هذه العبارة عمق العلاقة الإنسانية التي جمعته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتظهر جانبًا نادرًا من شخصية اعتادت إخفاء مشاعرها خلف صلابة العمل السياسي.

أما وليد جنبلاط السياسي، فلا يمكن فهمه بعيدًا عن طبيعة لبنان وتعقيداته.

فقد كان دائمًا من أكثر السياسيين قدرة على قراءة التحولات وموازين القوى.

أما ما يثيره بعض «المتفذلكين» حول تبدّل مواقفه وتحالفاته، فلم يكن سوى انعكاسٍ لواقعية سياسية فرضتها تعقيدات الواقع اللبناني وتشابكاته، إذ كانت أولويته الدائمة حماية الجبل وصون دور الطائفة الدرزية والحفاظ على حضورها في ظل ظروف سياسية متغيرة ومتقلبة.

ويرى كثيرون، وأنا من بينهم، أن وجود شخصية سياسية بوزن وليد جنبلاط مثّل مصدر قوة وخصوصية لطائفته، إذ نجح في ترسيخ حضور سياسي فاعل ومؤثر امتد على مدى سنوات طويلة.

وهي ميزة جعلت كثيرًا من اللبنانيين من الطوائف الأخرى يتمنون لو أن قادة أحزابهم يمثلون طوائفهم بالقدرة نفسها التي مثّل بها وليد جنبلاط طائفته، من خلال الحفاظ على تماسكها وحضورها السياسي، وتجنيبها الكثير من الخلافات والانقسامات والانشقاقات.

فقد كان يدرك في محطات كثيرة أن وحدة الصف الدرزي تتقدم على أي مكسب سياسي أو حزبي، لذلك لم يتردد أحيانًا في تقديم تنازلات، رغم امتلاكه القاعدة الشعبية الأوسع، حفاظًا على التوازن الداخلي وتماسك الطائفة.

كما دفعت هذه التجربة بعض اللبنانيين من الطوائف الأخرى إلى النظر بإعجاب ممزوج بشيء من الغيرة إلى التجربة الدرزية، لما منحته هذه القيادة من تماسك واستمرارية في الحضور والدور السياسي.

ويبقى الثابت أن وليد جنبلاط حافظ على موقع أساسي في الحياة السياسية اللبنانية لعقود طويلة، بفضل قدرته على قراءة اللحظة المناسبة والتعامل مع المتغيرات.

ومن النقاط التي تُحسب له أيضًا أنه عرف متى يفسح المجال أمام نجله تيمور جنبلاط، فعمل على انتقال هادئ ومدروس للقيادة، وهي خطوة لا تزال نادرة في الحياة السياسية اللبنانية.

فلبنان دفع ثمنًا كبيرًا بسبب الانقسامات، بينما نجح جنبلاط، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، في الحفاظ على قدر من التماسك داخل بيئته السياسية.

غير أن حلقاته في «شاهد على العصر» كشفت وجهًا مختلفًا؛ وجه رجل لم يكن مجرد سياسي بارع في الحسابات، بل إنسانًا حمل في داخله الكثير من الذكريات والجراح، وأظهر في لحظات صادقة أن خلف السياسي الصلب قلبًا لا يخلو من العاطفة والوفاء.

ولهذا، لم تكن تلك الحلقات مجرد شهادة على عصر مضطرب عاشه لبنان والمنطقة، بل شهادة على إنسانية وليد جنبلاط أيضًا.

دافيد عيسى - أخبار اليوم 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا