أيوب: الجيش ركيزة الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية
تفجيرات الشقيف... إسرائيل ترفع سقف المواجهة قبل مفاوضات روما
حمل التصعيد الإسرائيلي الخطير جدا الذي شهدته منطقة الشقيف ليلاً، والمتمثل بسلسلة تفجيرات ضخمة هزّت الجنوب في توقيته وحجمه ورسائله أبعاداً استراتيجية تتجاوز استهداف موقع عسكري أو تدمير بنية تحتية تابعة لحزب الله. فالمشهد جاء قبل أيام قليلة من استئناف جولة جديدة من المفاوضات في روما، الأمر الذي يعكس بوضوح أن إسرائيل تسعى إلى إعادة رسم ميزان القوى على الأرض قبل العودة إلى طاولة التفاوض، انطلاقاً من قناعة راسخة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن ما يُنتزع بالقوة العسكرية سيكون أكثر صلابة مما يمكن الحصول عليه عبر التفاهمات السياسية.
وتشير المعطيات إلى أن التفجيرات التي استهدفت تخوم تلال علي الطاهر في منطقة الشقيف ليست سوى بداية لمرحلة تصعيدية أوسع كانت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد أعدت لها منذ أسابيع، لكنها أرجأت تنفيذها لأسباب سياسية تتعلق بزيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى ضغوط أميركية حالت سابقاً دون تنفيذ عمليات واسعة خلال ذروة المواجهة الإقليمية. إلا أن حادثة إطلاق طائرة مسيّرة باتجاه آلية هندسية إسرائيلية وفرت للقيادة العسكرية في تل أبيب الذريعة المناسبة لإعادة طرح تلك الخطط على المستوى السياسي، باعتبار أن قواعد الاشتباك، وفق الرؤية الإسرائيلية، دخلت مرحلة جديدة تستوجب رداً مختلفاً وأكثر اتساعاً.
وتكتسب منطقة الشقيف أهمية استثنائية في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، إذ تعتبرها تل أبيب أحد أهم المراكز القيادية لحزب الله في جنوب لبنان. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الموقع يضم مركز قيادة متكاملاً يمتد في طبقات متعددة تحت الأرض، يرتبط بشبكة واسعة من الأنفاق والملاجئ وغرف العمليات ومخازن الأسلحة، ما يجعله أحد أكثر المواقع تحصيناً وتعقيداً في البنية العسكرية للحزب. كما تمنح الطبيعة الجغرافية لتلال علي الطاهر أفضلية عملياتية كبيرة، إذ ترتفع مئات الأمتار عن سطح البحر وتشرف على مساحة واسعة تمتد من جنوب لبنان إلى عمق الجليل، بما يسمح بمراقبة التحركات العسكرية الإسرائيلية ورصد خطوط الإمداد ونقاط الانتشار، فضلاً عن توفير بيئة مثالية لإدارة عمليات قتالية تعتمد على الكمائن والقنص والمواجهات المباشرة.
ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تتحول هذه المنطقة خلال الحرب الأخيرة إلى واحدة من أعقد ساحات القتال بالنسبة للجيش الإسرائيلي، بعدما فشلت قواته مراراً في فرض سيطرة كاملة عليها رغم تعدد المحاولات وتغيير الخطط والاستعانة بسلاح الجو والقوات الخاصة. وقد أدى هذا الواقع إلى إطلاق أوصاف داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية تشبه المنطقة بـ"فيتنام اللبنانية"، في إشارة إلى حجم الخسائر وصعوبة الحسم الميداني فيها. ومع تعذر السيطرة العسكرية الكاملة، يبدو أن إسرائيل انتقلت اليوم إلى خيار مختلف يقوم على إزالة الموقع بالكامل عبر تفخيخه وتدميره، بدلاً من محاولة الاحتفاظ به أو خوض معارك استنزاف جديدة داخله.
ويكشف توقيت العملية أن إسرائيل لا تريد الذهاب إلى مفاوضات روما وهي تحمل عبء هذا الموقع العسكري، بل تسعى إلى إنهاء ملفه قبل أي تفاهمات محتملة قد تفرض عليها الانسحاب أو نقل مسؤولية معالجة المنطقة إلى الجيش اللبناني. وتخشى تل أبيب أن تؤدي أي تسوية سياسية إلى تقييد حرية حركتها العسكرية أو إلى تكليف الجيش اللبناني بتفكيك البنية العسكرية الموجودة هناك، وهو خيار لا تثق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بقدرته على تحقيق النتائج التي تريدها، ولذلك تصر على تنفيذ المهمة بنفسها قبل الدخول في أي التزامات سياسية جديدة.
في المقابل، يتقاطع هذا التصعيد مع تطورات إقليمية لافتة، أبرزها التقديرات الإسرائيلية التي تشير إلى تبدل في الموقف الإيراني تجاه حلفائه في المنطقة. فبعد مرحلة من ضبط الإيقاع والحرص على تجنب أي تصعيد واسع، تعتقد تل أبيب أن طهران بدأت تمنح هامش حركة أكبر لحزب الله وللفصائل العراقية الحليفة لها، وهو ما انعكس في العمليات الأخيرة بالطائرات المسيّرة. ومن هنا تنظر إسرائيل إلى هذه التطورات باعتبارها مؤشراً إلى احتمال عودة التصعيد التدريجي على الجبهة الشمالية، الأمر الذي دفع قيادة الجيش إلى رفع مستوى الجهوزية والاستعداد لتوسيع العمليات إذا اقتضت الضرورة.
وتعكس المواقف الصادرة عن قيادة الجيش الإسرائيلي أيضاً تحولاً في العقيدة العملياتية، إذ لم يعد الحديث يقتصر على الردع أو منع التهديدات، بل بات يرتكز على مفهوم إقامة مناطق دفاع متقدمة داخل الأراضي اللبنانية، والاستمرار في السيطرة على المواقع التي احتلتها القوات الإسرائيلية إلى حين تحقيق ما تعتبره ضمانات أمنية طويلة الأمد. وهذا يعني عملياً أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى وجودها العسكري في الجنوب اللبناني كإجراء مؤقت، بل كجزء من معادلة أمنية جديدة تسعى إلى فرضها بالقوة، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع.
وعليه، فإن تفجيرات الشقيف لا يمكن قراءتها الا باعتبارها رسالة سياسية وميدانية في آن واحد. فهي رسالة إلى حزب الله بأن إسرائيل مستعدة للانتقال إلى عمليات أكثر عمقاً واتساعاً، ورسالة إلى الوسطاء الدوليين بأن الوقائع التي ستفرض على الأرض ستكون المرجعية الأساسية لأي مفاوضات مقبلة، ورسالة أيضاً إلى مفاوضات روما بأن هامش التفاهمات سيتحدد وفق ما ستنجح كل جهة في تثبيته ميدانياً قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. وبين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي، يبدو أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة عنوانها سباق مفتوح بين القوة والسياسة، في ظل مؤشرات الى مرحلة انتظار حتى تقترب مؤشرات الاستقرار.
داود رمال -اخبار اليوم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|