"الاقتصاد": أكثر من 800 شكوى تمّت الاستجابة لها منذ مطلع العام
بين الحفر والتفجير... من يدفع ثمن الحرب المدفونة في جنوب لبنان؟
ليبانون ديبايت" - المحامي ميشال فلاّح
لم تعد مشاهد التفجيرات التي تنفذها إسرائيل لاستهداف الأنفاق المحفورة في جنوب لبنان مجرد حدث عسكري عابر، بل تحولت إلى قضية تتجاوز الحسابات الأمنية لتلامس البيئة والصحة العامة والاستقرار الجيولوجي. غير أن اختزال المشكلة في مشهد التفجير وحده يبتعد عن الحقيقة. فالمسؤولية تبدأ منذ اللحظة التي يُتخذ فيها قرار حفر الأنفاق، قبل أن تصل إلى لحظة تفجيرها.
فعندما تستخدم إسرائيل كميات هائلة من المتفجرات لتدمير شبكة أنفاق تحت الأرض، فإن الآثار لا تتوقف عند انهيار الممرات العسكرية، بل تمتد إلى اهتزاز الطبقات الصخرية، وتشققات في التربة، وإثارة كميات كبيرة من الغبار الدقيق والجزيئات العالقة، فضلاً عن احتمال تسرب معادن ومركبات كيميائية إلى المياه الجوفية والتربة الزراعية. وتؤكد الدراسات المتعلقة بالتفجيرات العسكرية أن الانفجارات تحت الأرض تولد موجات ضغط تنتقل عبر الصخور والتربة لمسافات قد تتجاوز منطقة الانفجار نفسها، بما يهدد الأبنية والبنى التحتية والموارد الطبيعية.
كما أن التفجيرات العنيفة تؤدي إلى إطلاق أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون وجزيئات دقيقة يمكن أن تؤثر في الجهاز التنفسي للسكان، بينما تترك الضوضاء والاهتزازات آثاراً نفسية وصحية طويلة الأمد، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الأنفاق نفسها ليست مشروعاً محايداً بيئياً أو جيولوجياً. فعمليات الحفر العميق تغير من طبيعة التربة، وتؤثر في استقرار الطبقات الأرضية، وقد تعترض مسارات المياه الجوفية أو تضعفها، كما أن إزالة كميات كبيرة من الصخور والأتربة ونقلها تترك بصمة بيئية واضحة. وفي المناطق الزراعية، قد يؤدي الحفر إلى الإضرار بجذور الأشجار وبالأنظمة البيئية الدقيقة التي تشكل أساس الإنتاج الزراعي.
وتشير تجارب دولية إلى أن مخاطر الأنفاق العسكرية لا تقتصر على زمن الحرب. ففي شبه الجزيرة الكورية، ظل وجود الأنفاق العسكرية لعقود مصدر قلق جيولوجي وأمني. وفي البوسنة والهرسك، واجهت السلطات تحديات كبيرة بعد الحرب بسبب مخازن الأسلحة والأنفاق المدفونة، التي استمرت في تهديد السكان والبيئة حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية. أما في فيتنام، فقد أظهرت الدراسات المتعلقة بشبكة أنفاق "كو تشي" أن الاستخدام العسكري الكثيف للأنفاق ترك آثاراً طويلة الأمد على التربة والغطاء النباتي، بينما كشفت تجارب التخلص من الذخائر المدفونة في دول البلقان والعراق عن أن تفجيرها تحت الأرض قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه بمركبات معدنية وكيميائية تستمر آثارها سنوات.
سياسياً، تحاول كل جهة تحميل الأخرى كامل المسؤولية. إسرائيل تبرر التفجيرات بأنها ضرورة عسكرية لإزالة تهديد أمني، بينما يعتبر حزب الله أن الأنفاق جزء من منظومة دفاعية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. إلا أن هذه السجالات لا تغير حقيقة أساسية: المواطن اللبناني هو من يتحمل النتائج المباشرة، والبيئة اللبنانية هي التي تدفع الثمن.
فلو لم تُحفر الأنفاق، لما وُجد ما يُفجَّر بهذا الحجم. ولو لم تَعتمد إسرائيل سياسة التدمير الواسع النطاق، لما بلغت الأضرار هذا المستوى. ومن هنا، فإن العلاقة بين الحفر والتفجير ليست علاقة سبب ونتيجة فحسب، بل سلسلة مترابطة من القرارات العسكرية التي تتراكم آثارها على الأرض والإنسان.
إن القانون الدولي الإنساني يَفرض على أطراف النزاعات المسلحة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار اللاحقة بالمدنيين والبيئة، فحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة أصبحت مبدأً متزايد الحضور في القانون الدولي المعاصر. وعندما تتحول الأرض إلى شبكة أنفاق عسكرية، ثم إلى مسرح لتفجيرات هائلة، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون أي طرف عسكري، بل الدولة نفسها، التي تجد نفسها أمام أراضٍ مدمرة، وبيئة مثقلة بالتلوث، واقتصاد زراعي يتراجع عاماً بعد عام.
الخلاصة أن النقاش لا ينبغي أن يبدأ عند صوت الانفجار، بل عند صوت الحفارة التي شقت باطن الأرض. فالتفجير الإسرائيلي يمثل خطراً مؤكداً على البيئة والصحة والاستقرار الجيولوجي، لكنه ليس بداية القصة، بل فصلها الأخير. أما الفصل الأول فقد كُتب يوم تحولت الأرض اللبنانية إلى مستودع للأنفاق العسكرية. وبين الحفر والتفجير، تتوزع المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية، ويتوزع معها الضرر على وطن لم يعد يحتمل مزيداً من الحروب المدفونة تحت ترابه.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|