رياضة

ما سرّ العلاقة بين ترامب وإنفانتينو؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد كرة القدم منافسة رياضيّة تجمع المنتخبات والأندية وحسب، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أدوات النفوذ السياسيّ والاقتصاديّ في العالم. ومع تصاعد الأزمة داخل الاتّحاد الدوليّ لكرة القدم (فيفا)، برز اسم رئيسه جياني إنفانتينو في مواجهة غير مسبوقة مع الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم (يويفا)، فيما ازدادت الأسئلة عن طبيعة علاقته بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وما إذا كانت هذه العلاقة ساهمت في تعميق الانقسام داخل المؤسّسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبيّة في العالم.

لا تتعلّق الأزمة التي تعصف بالفيفا بخلاف على إدارة بطولة أو صفقة تجاريّة فقط، بل تبدو أقرب إلى صراع على قيادة كرة القدم العالميّة، في ظلّ مواجهة متصاعدة بين الرؤية الأوروبيّة التقليديّة والنفوذ الأميركيّ المتنامي.

علاقة تتجاوز البروتوكول

منذ فوز الولايات المتّحدة بحقّ استضافة كأس العالم 2026، توطّدت العلاقة بين إنفانتينو وترامب بشكل لافت. وخلال البطولة ظهر الرجلان معاً في أكثر من مناسبة رسميّة، وتبادلا الإشادات العلنيّة، وأكّد البيت الأبيض أنّ الرئيس الأميركيّ يتحدّث مع رئيس الفيفا بصورة متكرّرة ويكنّ له “احتراماً كبيراً”، معتبراً أنّ نجاح مونديال 2026 شكّل إنجازاً مشتركاً للفيفا والولايات المتّحدة.

لم يقتصر الأمر على المجاملات السياسيّة، إذ كشف ترامب بنفسه أنّه تواصل مع إنفانتينو بشأن بعض القضايا المرتبطة بالبطولة، وأعلن أنّه تلقّى دعوة من رئيس الفيفا لتسليم كأس العالم للفريق الفائز، في خطوة اعتبرها كثيرون غير مسبوقة من حيث حجم الحضور السياسيّ في الحدث الرياضيّ الأكبر عالميّاً.

انطلقت الشرارة الحقيقيّة للأزمة عندما طرح إنفانتينو مشروع FIFA Forward Enterprise (FFE)، الذي يقضي بإنشاء شركة مستقلّة لإدارة الحقوق التجاريّة لبطولات الفيفا، مع بيع حصّة تبلغ نحو 20% من هذه الشركة إلى مستثمرين مقابل ما يقارب 4.2 مليارات دولار. وأبرز هؤلاء المستثمرين شقيق صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر ويدعى جوشوا كوشنر. فقد كانت شركة Thrive Capital / Thrive Eternal المرتبطة بجوشوا كوشنر من أبرز الجهات المرشحة للاستثمار في المشروع الذي طرحه رئيس الفيفا جياني إنفانتينو.

رأت إدارة الفيفا أنّ المشروع سيحقّق تمويلاً ضخماً للاتّحادات الوطنيّة ويزيد من قيمة البطولات مستقبلاً، إلّا أنّ ردّ الفعل داخل المنظّمة جاء معاكساً تماماً. فقد اعتبر الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم وعدد من الاتّحادات الوطنيّة أنّ المشروع أُعدّ من دون استشارتها، وأنّه يمهّد لخصخصة أهمّ أصول الفيفا ويقوّض مبادئ الحوكمة والشفافيّة. وبعد موجة الاعتراضات، اضطرّت إدارة الفيفا إلى سحب المشروع وتقديم اعتذار رسميّ عن طريقة إدارة الملفّ.

أوروبا ترى أنّ إنفانتينو تجاوز الخطوط الحمر

في نظر القيادات الأوروبيّة، لم تكن المشكلة في الصفقة بحدّ ذاتها، بل في أسلوب إدارة المؤسّسة. فقد اتّهمت أطراف أوروبيّة رئيس الفيفا باتّخاذ قرارات مصيريّة بصورة منفردة، وبإضعاف دور الاتّحادات الوطنيّة والقارّيّة في رسم مستقبل اللعبة.

ازدادت حدّة الانتقادات بسبب تقاربه السياسيّ مع ترامب، وهو ما دفع بعض البرلمانيّين الأوروبيّين ومنظّمات حقوقيّة إلى المطالبة بالتحقيق في تأثير النفوذ السياسيّ الأميركيّ في بعض قرارات الفيفا خلال كأس العالم، وهي اتّهامات ينفيها إنفانتينو باستمرار.

تنظر واشنطن إلى كرة القدم باعتبارها صناعة اقتصاديّة عملاقة وفرصة لتعزيز نفوذها العالميّ. وقد مثّل مونديال 2026 نقطة تحوّل تاريخيّة، بعدما حقّق أرقاماً قياسيّة في الحضور الجماهيريّ والعائدات التجاريّة. من هذا المنطلق، يُنظر إلى إنفانتينو داخل الولايات المتّحدة باعتباره شريكاً في تحويل السوق الأميركيّة إلى مركز جديد لكرة القدم العالميّة، سواء عبر تطوير البطولات أو جذب الاستثمارات أو توسيع الحقوق التجاريّة، وهو ما يفسّر مستوى التقارب بينه وبين الإدارة الأميركيّة.

على الضفّة الأخرى، ترى أوروبا أنّ كرة القدم ليست مشروعاً تجاريّاً وحسب. فهي تمتلك أقوى البطولات والأندية وأكثرها جماهيريّة، وتعتبر نفسها الحاضنة التاريخيّة للّعبة. لذلك تخشى أن يؤدّي الاتّجاه الذي يقوده إنفانتينو إلى تحويل الفيفا إلى مؤسّسة تجاريّة تدار بمنطق المستثمرين، على حساب الاتّحادات الوطنيّة والقيم التقليديّة لكرة القدم.

لهذا السبب، تصاعدت الدعوات داخل “يويفا” لسحب الثقة من إنفانتينو، فيما لوّحت بعض الاتّحادات الأوروبيّة بإجراءات تصعيديّة إذا استمرّ النهج الحاليّ في إدارة الفيفا.

لكن لماذا لا يسقط إنفانتينو؟

على الرغم من الغضب الأوروبيّ، لا يزال إنفانتينو يتمتّع بقاعدة دعم واسعة داخل الجمعيّة العموميّة للفيفا. فالعديد من الاتّحادات في إفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا وأجزاء من أميركا اللاتينيّة ترى أنّ رئاسته رفعت حجم الدعم الماليّ المقدّم إليها، وساهمت في توسيع المشاركة في البطولات الدوليّة، ولذلك ما تزال تعتبره الخيار الأفضل لقيادة الفيفا. وقد جدّد الاتّحاد الإفريقيّ لكرة القدم دعمه الكامل له، مؤكّداً أنّ التعاون معه حقّق مكاسب كبيرة للقارّة، وهو ما يمنحه كتلة انتخابيّة مؤثّرة قبل انتخابات 2027.

يصعب اختزال الأزمة الحاليّة في خلاف على صفقة تجاريّة أو في العلاقة الشخصيّة بين ترامب وإنفانتينو. جوهر الخلاف أعمق من ذلك بكثير، فأوروبا تسعى إلى الحفاظ على نفوذها التاريخيّ داخل المؤسّسة التي أسّست النظام الكرويّ الحديث، بينما ترى الولايات المتّحدة أنّ الوقت حان لقيادة مرحلة جديدة تقوم على الاستثمار والتوسّع التجاريّ والاستفادة من الشعبيّة المتزايدة لكرة القدم في السوق الأميركيّة.

بين هذين المشروعين يقف إنفانتينو في قلب العاصفة، إذ يعتبره أنصاره صاحب رؤية نقلت الفيفا إلى مرحلة ماليّة غير مسبوقة، فيما يرى معارضوه أنّه خلط بين الرياضة والسياسة وأضعف التوازنات التي قامت عليها المؤسّسة لعقود.

قد تبدو الأزمة الحاليّة داخل الفيفا مرتبطة باسم جياني إنفانتينو أو بعلاقته الوثيقة مع دونالد ترامب، لكنّها في حقيقتها تعكس تحوّلاً أوسع في النظام الرياضيّ العالميّ. ليست المواجهة دائرةً اليوم على رئاسة الفيفا أو على إدارة الحقوق التجاريّة فقط، بل على من يملك حقّ رسم مستقبل كرة القدم: أوروبا التي أسّست اللعبة الحديثة، أم الولايات المتّحدة التي تريد أن تصبح مركزها الاقتصاديّ والسياسيّ الجديد؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا