في الجنوب.. قصفٌ إسرائيلي يستهدف منازل في ميس الجبل والمنصوري
هكذا خبأت إسرائيل "شيطان التفاصيل"!
مع إسدال الستار على الجولة السابعة، والترحيل التكتيكي للحلول إلى مطلع أيلول، تتكشف حقيقة شديدة القسوة، وهي أنّ «النموذج التجريبي» الذي تمّ إقراره في الجولة السابقة لم يكن خياراً إسرائيلياً «ساذجاً»، للانسحاب التدريجي من الجنوب، بل انطوى في جوهره على رغبة في وضع الدولة اللبنانية أمام اختبار خطر: هل ستجرؤ على مواجهة الملف الأكثر تعقيداً، سلاح «حزب الله»، أم تفضّل «الاستسلام» أمام طروحات إسرائيل، ميدانياً وسياسياً، لأنّها «أهون الشرّين»؟
في الجولة السادسة، وافقت إسرائيل على ما سُمّي المرحلة التجريبية، أو المنطقة النموذجية، أو الاختبارية، الأولى، وشملت زوطر الغربية وفرون. وعلى الأرجح، كانت تلك محاولة «تشاطر» متبادلة: لبنان يحتاج إلى إظهار قبوله بالحلول، ليحظى بدعم واشنطن، ويحصل في النهاية على وقف الحرب وانسحابات حقيقية من الجنوب. وأما إسرائيل فقرّرت إغراق الدولة اللبنانية في مأزق المواجهة مع «حزب الله» وسلاحه. وهي تدرك أنّها لن تفعل. ولذلك، هي ستتسبب بنفسها بوقف التجربة. وحينذاك، ستكون لإسرائيل ذريعة للتنصل من أي التزام.
وعلى الأرجح. هذا ما تحقق في روما قبل يومين. فقد وصل «الاختبار» الأول إلى نهايته الحتمية، وتبدّت الحقيقة السياسية والميدانية «بلا رتوش»: لا قدرة ولا إرادة لدى لبنان الرسمي للصدام مع «حزب الله» أو لإقناعه بنزع سلاحه. ووجد لبنان نفسه في روما محاصراً داخل مأزق تفاوضي، يُمارس فيه الإسرائيليون والأميركيون ضغوطاً قاسية. وللتذكير، عشية استعداد الوفد اللبناني للسفر إلى العاصمة الإيطالية، عازماً على المطالبة بمنطقة اختبارية ثانية، تشمل الخيام أو بنت جبيل أو سواهما، سارع سفير واشنطن ميشال عيسى إلى وضع النقاط على الحروف مسبقاً، وقال ما معناه: «لا داعي للاستعجال بالانتقال من مرحلة تجريبية إلى أخرى، قبل إنجاح هذه المرحلة بالكامل وتأمين شروط الأمان، لأنّ خلاف ذلك يشكّل خطراً على الأهالي». يعني هذا الكلام في المفهوم الأميركي بسط سيطرة الجيش اللبناني، وضمان خلو المناطق من أي مظاهر أو بنى تحتية عسكرية لـ«حزب الله». فهذا هو الشرط الأساسي لتوسيع الرقعة الاختبارية نحو بلدات أخرى.
إذاً، لم يكن إقرار المنطقة التجريبية الأولى مدعاة تطمين لبنان، لأنّ الإسرائيليين الذين وافقوا على الفكرة خبأوا فيها «شيطان التفاصيل»، أي جرى وضعُ الدولة اللبنانية وجهاً لوجه أمام «الحزب»، لاختبار قدرتها على أن تتولّى فعلاً حصر السلاح، في شمال الليطاني تحديداً، لأنّ إسرائيل تقوم اليوم بالمهمّة بنفسها في جنوبه، بعدما جرّبها لبنان في مرحلة سابقة وفشل. والدليل هو الحجم الهائل للترسانات والأنفاق التي يقول الإسرائيليون إنّهم عثروا ويعثرون عليها هناك.
في روما، اتضحت مناورات كل طرف. ورفضت إسرائيل توسيع رقعة المناطق النموذجية، أو تنفيذ انسحابات إضافية، متذرعة بضرورة الاستمرار في «التحقق الأمني». ومأزق لبنان هو أنّ هذا التنصل الإسرائيلي حظي بشرعنة أميركية ضمنية، تحت عنوان أنّ لبنان عاجز عن تقديم الضمانات المطلوبة، بالمعنى التنفيذي لا بالكلام.
تحولت مفاوضات روما إلى دوران في حلقة مفرغة حول الأسبقية، بين منطق لبنان الذي ينطلق من أولوية بسط سلطة الدولة وتوسيع انتشار الجيش ووقف النار والتفجيرات وبدء الانسحاب، والمنطق الإسرائيلي - الأميركي الذي يصرّ على تجميد خطوات الانسحاب حتى تقديم أدلة قاطعة على نزع سلاح «الحزب»، وتحويل مناطق الاختبار إلى مساحات مجرّدة تماماً من أي وجود عسكري لـ«حزب الله». وهذا التناقض أدّى واقعياً إلى انكشاف الموقف اللبناني. واصطدم الوفد اللبناني بسؤال أميركي مباشر ومحرج: «هل تضمنون عدم عودة البنية التحتية لـ«حزب الله» إلى المناطق التي تنسحب منها إسرائيل؟» هنا، عجز الوفد اللبناني عن تقديم إجابة تتجاوز السقف السياسي التقليدي للوعود.
وفي انتظار الجولة الثامنة في أيلول، يتضح أنّ لبنان وقع في مأزق مُخطّط له. وسيبقى الميدان أداة الابتزاز الأساسية، إذ ستُواظب إسرائيل على عمليات النسف والقصف والغارات لرفع كلفة العجز اللبناني، ولفرض تنازلات إضافية في أي نُسخة مقبلة معدّلة من الصيغة الإطار. وسيجد لبنان نفسه أمام مأزق استنزاف الخيارات، خصوصاً أنّ القرار الدولي لم يعد ملائماً له، و«اليونيفيل» راحلة. وسيواجه ضغطاً أميركياً- إسرائيلياً لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية جنوباً، بما يتجاوز آليات القرار 1701 لتكون أكثر صرامة.
لقد عمدت إسرائيل إلى حشر الدولة في زاوية قرارها السياسي الضعيف والمربك، في مواجهة «حزب الله». وفي أيلول سيذهب لبنان إلى الجولة الثامنة بخيارات ضيّقة جداً: إما المواجهة الداخلية الحاسمة، وإما الاعتراف بالعجز والقبول بالبقاء تحت مقصلة الابتزاز الإسرائيلي المفتوح، عسكرياً وسياسياً.
طوني عيسى- الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|