تكنولوجيا

خوارزميات المتعة.. كيف يدفعك "تيك توك" إلى التمرير بلا توقف؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

صُممت مقاطع "تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب" لإغراق دائرة المتعة في الدماغ وإبقاء المستخدمين في حالة مشاهدة مستمرة. 

ويرى باحثون أن مقاطع الفيديو القصيرة قد لا تكون سوى بداية مرحلة أكثر تطورًا في استغلال انتباه الإنسان، محذرين من أن "تيك توك" و"ريلز" و"شورتس" قد تغذي سلوك التمرير الإدماني من خلال تصميم يعتمد على تحفيز الدوبامين.

بالنسبة إلى كثيرين، يبدأ اليوم غالبًا بالتمرير عبر الهاتف؛ فقد نبدأ، قبل مغادرة السرير، بتصفح "تيك توك" أو "إنستغرام ريلز" أو "يوتيوب شورتس"، وسرعان ما تتحول بضعة مقاطع إلى عشرات، والدقائق إلى ساعة كاملة، قبل أن نعود لاحقًا خلال اليوم لمشاهدة المزيد.

ودرس باحثون في جامعة بايرويت الألمانية هذه الظاهرة، لا سيما بين الأطفال والمراهقين. وحللت مراجعتهم، المنشورة في مجلة "الطب النفسي للأطفال والمراهقين"، 42 دراسة شملت نحو 30 ألف مشارك، كان معظمهم من المراهقين والشباب.

والأهم أن الباحثين تناولوا جانبًا غالبًا ما يُهمَل في النقاش العام، وهو الآليات التي تعمل بها المنصات نفسها.

أكثر من مجرد تلفزيون على شاشة أصغر
حدد الباحثون ثلاث خصائص مشتركة بين منصات الفيديو القصير، هي تخصيص المحتوى عبر الخوارزميات، وعدم القدرة على توقع ما سيظهر خلال التمرير اللانهائي، والجدة الناتجة عن الانتقال السريع بين المقاطع.

وقالوا إن هذه الخصائص تصنع بيئة إعلامية تختلف عن التلفزيون ومقاطع الفيديو التقليدية عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي القديمة.

وتعمل منصات الفيديو القصير وفق آلية مختلفة؛ فالخوارزميات تختار المحتوى باستمرار، ونادرًا ما يحتاج المستخدم إلى اتخاذ قرار، كما لا توجد فعليًا نقطة توقف طبيعية.

وقال أزا راسكين، المؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية، لـ"دويتشه فيله"، إن "تيك توك" يختلف تمامًا عن التلفزيون، مضيفًا أن "الجانب الآخر من شاشة تيك توك عبارة عن حاسوب عملاق موجه مباشرة إلى دماغك، ومدرَّب على سلوك ثلاثة مليارات شخص آخرين".

وأوضح راسكين أن "اقتصاد الانتباه هو، في جوهره، سباق نحو قاع جذع الدماغ"، مشيرًا إلى أنه إذا لم يستحوذ "تيك توك" على وقت المستخدم، فسيفعل ذلك "فيسبوك" أو "إنستغرام" أو منصة أخرى؛ ما يقود إلى معركة شرسة لا تعرف الرحمة على انتباه الإنسان.

الدوبامين وتأثير التمرير اللانهائي
يعرف العلماء منذ وقت طويل أن التجارب شديدة الإشباع تنشط نظام المكافأة في الدماغ، وتُعد مقاطع الفيديو القصيرة فعالة بصورة خاصة في استغلال هذا النظام.

وقالت آنا ليمبكي، الأستاذة المشاركة في الطب النفسي بكلية الطب في جامعة ستانفورد ومؤلفة كتاب "أمة الدوبامين"، لـ"دويتشه فيله"، إن هذه المقاطع تجمع خصائص عدة تجعلها جذابة على نحو غير معتاد.

وأضافت أن "الصور المتحركة في حد ذاتها تشبه النعناع البري بالنسبة إلى دماغ الثدييات"، موضحة أن مقاطع الفيديو القصيرة تمثل شكلًا أكثر قوة، ومن ثم أكثر قابلية للإدمان، وتوفر سلسلة متتابعة من المقاطع تشبه تدخين السجائر واحدة تلو الأخرى، ما يجعل التوقف صعبًا بمجرد البدء، حتى عندما يرغب المستخدم في ذلك.

ويؤدي الإفراط في تحفيز نظام المكافأة في الدماغ، عبر محفزات غير طبيعية شديدة الإشباع مثل المقامرة والإفراط في تناول الطعام، إلى تدفق الدوبامين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالمكافأة والمتعة.

ولحماية نفسه، يخفض الدماغ مستوى استجابته من خلال تقليل عدد مستقبلات الدوبامين المرتبطة بالشعور بالمتعة، وقد يجعل تكرار هذا التحفيز المفرط الدماغ أقل حساسية للمكافأة بمرور الوقت.

وقالت ليمبكي: "بمرور الوقت، نحتاج إلى مشاهدة مزيد من المقاطع، ليس للشعور بالنشوة، وإنما لمجرد الشعور بأننا طبيعيون".

وأضافت: "نفقد قدرتنا على التفاعل مع مكافآت أخرى أكثر اعتدالًا والاستمتاع بها، مثل مشاهدة غروب الشمس، أو مشاركة وجبة مع الأصدقاء، أو قراءة كتاب جيد".

وترى ليمبكي أن الطبيعة اللانهائية لخلاصات المحتوى الحديثة قد تغير تدريجيًا طريقة استجابة نظام المكافأة.

وقالت إن "التمرير اللانهائي يزيل حساسية نظام المكافأة، أي يؤدي إلى إطلاق كمية أقل من الدوبامين بمرور الوقت استجابة للمكافآت نفسها؛ ما يخلق حاجة إلى مزيد من المقاطع والمحتوى الأكثر تطرفًا للحصول على التأثير ذاته".

وقد تكون النتيجة مفارقة مألوفة لدى كثير من المستخدمين، تتمثل في مواصلة البحث عن المقطع التالي الذي يمنحهم المكافأة، حتى عندما لا تعود تجربة المشاهدة ممتعة بصورة خاصة.

لماذا يُعد التخصيص العامل الأهم؟
بينما يحظى التمرير اللانهائي باهتمام واسع، يرى بن راين، عالم الأعصاب والمتخصص في التواصل العلمي ومؤلف كتاب "لماذا تحتاج الأدمغة إلى أصدقاء"، أن القوة الحقيقية تكمن في مخاطبة كل مستخدم بصورة فردية.

وقال راين لـ"دويتشه فيله" إن التمرير اللانهائي والجدة عاملان مهمان، لكنهما لا يتجاوزان كونهما آليتين لإيصال المحتوى، بينما يمثل التخصيص المحرك الأساسي.

ووصف خلاصة "تيك توك" النموذجية بأنها نظام يجري آلاف التجارب الصغيرة على المستخدم، ويتعلم بصورة أسرع منه ما الذي يدفعه إلى مواصلة المشاهدة.

ويرى راين أيضًا أن التخصيص يصبح شديد القوة عندما يقترن بعدم القدرة على التنبؤ التي تحدثت عنها ليمبكي، موضحًا أن "الأمر يتعلق بالمزيج بين هذه العوامل، مع بقاء التخصيص العنصر الذي يجعل التجربة جذابة وقابلة للتوسع مع كل شخص يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي".

وترى ليمبكي ديناميكية مشابهة؛ إذ قالت إن "الخوارزميات تطور بصورة فورية ومن خلال تفاعلاتنا مع المنصة، الدواء المثالي المفضل لكل شخص، وهو ما يجعل التبادل يبدو طبيعيًا وحيويًا".

وأضافت أن الجدة تتغلب على الملل الذي ينشأ بفعل التعود، أي الحاجة إلى نسخ أكثر قوة بمرور الوقت للحصول على التأثير نفسه.

وأوضحت أن عدم القدرة على التنبؤ ينشط جانب البحث عن الكنوز والاستكشاف في الدماغ، الذي تطور لدفع الإنسان إلى مواصلة السعي والمثابرة داخل بيئة قاسية تتسم مكافآتها بالندرة وعدم اليقين؛ ما يجعل المكافآت النادرة أكثر قيمة عند العثور عليها.

مخاطر محتملة ومستقبل هندسة الانتباه
ظهرت موضوعات عدة بصورة متكررة في الدراسات الـ42 التي فحصها فريق جامعة بايرويت، من بينها ارتفاع صعوبات الانتباه، وتراجع أداء الذاكرة العاملة، وزيادة مستويات القلق والاكتئاب، وضعف ضبط النفس، وظهور أنماط سلوكية شبيهة بالإدمان.

ومع ذلك، شدد فريق البحث على أن الأدلة المتاحة لا تزال محدودة. وقالت الباحثة الرئيسة مارلين إبستر لـ"دويتشه فيله" إن الأدلة لا تزال غير كافية للجزم بأن منصات الفيديو القصير تسبب ما يسمى "تعفن الدماغ" أو تُحدث تأثيرات شديدة مرتبطة بالدوبامين.

وبدلًا من التوصية بفرض حظر شامل، تقترح الدراسة مساعدة الشباب على فهم كيفية عمل أنظمة التوصية، والطريقة التي يؤثر بها تصميم المنصات في سلوكهم.

ويرى راين أن المرحلة المقبلة أمام مصممي المنصات ستتجه، على الأرجح، نحو مستويات أعمق من التخصيص.

وقال إنه مع تطور نماذج التوصية، وتزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء المحتوى أو تخصيصه لكل فرد لحظة بلحظة، ستواصل الفجوة بين ما قد يستمتع به المستخدم وما يُعرض عليه التقلص.

وقد يصبح التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أكثر أهمية أيضًا. وقال راسكين: "لم نقترب بعد من ذروة هندسة الانتباه"، مضيفًا: "ندخل الآن عصر الذكاء الاصطناعي 2.0، وهو الذكاء الاصطناعي التوليدي".

وأوضح راسكين أن هذه التكنولوجيا تستطيع بالفعل إنشاء محتوى جديد بالكامل من الصفر، محذرًا من أن قدرتها على الاستحواذ على الانتباه، بدءًا من الوسائط الاصطناعية ووصولًا إلى العلاقات الاصطناعية شديدة التخصيص، ستتجاوز قوة أي هندسة نفسية عرفها الإنسان حتى الآن.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا