عربي ودولي

"الخنق المالي" يلاحق تمويل "الإخوان".. ضغوط واشنطن تتمدد إلى القارة العجوز

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتزايد الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على شبكات التمويل المرتبطة بجماعة  الإخوان المسلمين، في وقت بدأت فيه تداعيات العقوبات الأمريكية تتجاوز الحدود الأمريكية لتصل إلى النظام المصرفي والمالي الأوروبي، وسط تساؤلات بشأن قدرة العواصم الأوروبية على التعامل مع المؤسسات والجمعيات والكيانات المرتبطة بالجماعة داخل أراضيها.

وتشير تحليلات أمنية وسياسية في واشنطن وأوروبا إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة لا تقتصر على استهداف كيانات وأفراد داخل الولايات المتحدة، وإنما تفرض واقعًا قانونيًا وماليًا أكثر تعقيدًا على المؤسسات الدولية، خصوصًا البنوك التي تتعامل بالدولار أو ترتبط بالنظام المالي الأمريكي.

وخلال الفترة الأخيرة، اتجهت السياسة الأمريكية إلى توسيع نطاق استخدام العقوبات المالية ضد فروع وقيادات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، من خلال إدراج كيانات وأفراد على قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية "OFAC" التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا، في ظل التحذيرات الأمريكية للمؤسسات المالية الدولية من التعامل مع الأشخاص والكيانات المدرجين على قوائم العقوبات، وهو ما قد يدفع البنوك الأوروبية إلى تشديد إجراءات التدقيق، وتجميد أصول أو حسابات مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات، أو إنهاء علاقاتها المصرفية معها لتجنب التعرض لعقوبات أمريكية.

كما امتدت تداعيات العقوبات إلى عدد من الدول الأوروبية، من بينها بلجيكا، حيث توجد مؤسسات وشخصيات مرتبطة بشبكات إسلامية تعمل في مجالات الاستثمار والعمل الأهلي والخيري، الأمر الذي أعاد ملف مصادر التمويل إلى دائرة الاهتمام الأمني والسياسي الأوروبي.

وتتركز المخاوف الأمريكية، بحسب التحليلات المتداولة في هذا الملف، على احتمال استخدام بعض القنوات الأهلية والخيرية كغطاء لتحويل الأموال أو تمريرها إلى شبكات وكيانات تعتبرها واشنطن مرتبطة بأنشطة محظورة أو تمثل تهديدًا أمنيًا.

وفي ألمانيا، يتخذ التعامل مع التنظيمات الإسلامية مسارًا أكثر ارتباطًا بالقوانين المحلية وأجهزة حماية الدستور، في ظل تصاعد النقاش السياسي حول قدرة المؤسسات الألمانية على مواجهة التنظيمات التي يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا للنظام الدستوري.

وفي السياق، يقول حسين خضر، القيادي بالحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، إن الحزب يدافع عن مجتمع منفتح ومتنوع وعن حماية جميع المواطنين والمواطنات، مؤكدًا أن السلطات لن تسمح لجماعات متطرفة بتقويض القيم الديمقراطية أو زرع الانقسام داخل المجتمع الألماني.

وكشف خضر لـ"إرم نيوز"، أن المادة التاسعة، الفقرة الثانية، من القانون الأساسي الألماني، إلى جانب قانون الجمعيات، تتيح حظر المنظمات التي تعمل ضد النظام الدستوري، مؤكدا أن ألمانيا حظرت خلال السنوات الأخيرة عددًا من المراكز والتنظيمات التي اعتبرتها السلطات متطرفة.

ويشير إلى أن من بين هذه الإجراءات حظر المركز الإسلامي في هامبورغ عام 2024، إلى جانب المركز الإسلامي في فورستنفالده، الذي اتهم بدعم شبكات تبرعات مرتبطة بحركة حماس، وكذلك جماعة "مسلم إنتراكتيف" في تشرين أول/ نوفمبر 2025.

ويضيف القيادي بالحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني أن أجهزة حماية الدستور في ألمانيا، على المستويين الاتحادي والولائي، تراقب شبكات الإخوان المسلمين عن كثب، وتعمل على توثيق أنشطتها ضمن التقارير السنوية الصادرة عنها.

ويوضح خضر أن الحكومة الاتحادية الحالية أسست في تشرين أول/ نوفمبر 2025 هيئة استشارية دائمة تحت اسم "الوقاية من الإسلاموية ومكافحتها"، مشيرًا إلى أن مهمتها الأساسية تتمثل في إعداد خطة عمل مشتركة بين الحكومة الاتحادية والولايات، وفق ما نص عليه الاتفاق الائتلافي.

ويؤكد أن الخطة لا تستهدف الإرهاب العنيف فقط، وإنما تمتد إلى ما وصفه بـ"التربة الأيديولوجية" التي ينمو فيها التطرف، بما في ذلك ما يعرف بـ"الإسلاموية القانونية"، إلى جانب مواجهة التطرف عبر الإنترنت، وكشف مصادر التمويل، والحد من التأثير الأجنبي، ومكافحة معاداة السامية المرتبطة بالإسلاموية.

كما تتضمن الخطة، وفق خضر، إنشاء مركز لتوثيق الإسلام السياسي، مستفيدًا من تجارب أوروبية أخرى، وفي مقدمتها التجربة النمساوية.

وتكشف هذه التطورات عن انتقال المواجهة الأوروبية تدريجيًا من التركيز على التنظيمات التي ترتبط بأعمال عنيفة إلى فحص أوسع للبنية التنظيمية والمالية والأيديولوجية التي تدعم بعض شبكات الإسلام السياسي.

وفي النمسا، اتخذت السلطات خطوات أكثر تشددًا تجاه جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك حظر استخدام رموز مرتبطة بالجماعة وإدراجها ضمن التنظيمات التي تخضع لمستويات مرتفعة من الرقابة.

وتزامن ذلك مع اهتمام متزايد بالجانب المالي، خصوصًا في ظل المخاوف الأوروبية من قدرة شبكات التمويل غير المباشر على نقل الأموال عبر مؤسسات أهلية أو خيرية تعمل بصورة قانونية ظاهريًا.

وتختلف الأدوات الأوروبية في هذا السياق عن العقوبات الأمريكية، إذ ترتبط الإجراءات الأوروبية بدرجة أكبر بالقوانين الوطنية، وبتوافر أدلة وقرائن محددة يمكن أن تدعم قرارات الحظر أو الملاحقة القضائية.

ويظل القطاع المصرفي في قلب هذه التحولات، إذ إن إدراج أي مؤسسة أو شخصية على قوائم العقوبات الأمريكية يمكن أن يفرض على البنوك الدولية إعادة تقييم علاقاتها المالية معها، خصوصًا إذا كانت تلك البنوك تعتمد على النظام المالي الأمريكي أو تحتاج إلى الوصول إلى الدولار.

ويوضح محمد الشرقاوي الخبير في الإسلام السياسي ، أن التطورات الحالية تشير إلى أن العقوبات الأمريكية قد تؤدي عمليًا إلى توسيع دائرة التدقيق المالي داخل أوروبا، حتى في الحالات التي لا تصدر فيها السلطات الأوروبية قرارات مماثلة بصورة فورية.

وأضاف الشرقاوي لـ"إرم نيوز"، أنه قد تجد الجمعيات والمؤسسات المرتبطة بشبكات الإسلام السياسي نفسها أمام مستويات جديدة من التدقيق المصرفي، تشمل مصادر الأموال، وطبيعة التحويلات، وعلاقات الشركاء، والجهات المستفيدة من التمويل.

وتابع: "لا يعني ذلك بالضرورة أن جميع المؤسسات والجمعيات التي توصف بأنها مرتبطة بالإخوان المسلمين تخضع تلقائيًا لعقوبات أو حظر أوروبي، إذ تظل الإجراءات القانونية خاضعة للتشريعات الوطنية والأدلة المتوافرة في كل حالة، لكن توسع العقوبات الأمريكية يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة أكثر تعقيدًا: فمن جهة، عليها الحفاظ على المعايير القانونية الأوروبية المتعلقة بحرية التنظيم والعمل الأهلي والسياسي، ومن جهة أخرى، يتعين عليها منع استغلال هذه المساحات القانونية لبناء شبكات تمويل أو نفوذ يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد أمني".

وفي ظل هذا التداخل بين الأمن والتمويل والسياسة، يبدو أن المواجهة مع شبكات الإخوان المسلمين في أوروبا تتجه تدريجيًا نحو مسار أكثر تركيزًا على مصادر التمويل والبنية المؤسسية والتأثير الأجنبي، بعدما كان التركيز لسنوات منصبًا بصورة أكبر على النشاط السياسي والديني العلني.

وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من التنسيق بين الأجهزة الأمنية والرقابية الأوروبية والمؤسسات المالية، بالتوازي مع استمرار الضغط الأمريكي، وهو ما قد يجعل النظام المصرفي أحد أهم ساحات المواجهة الجديدة مع شبكات التمويل المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا