صيغة الـ12 سنة تُمهّد لخروج الأسير... والجيش يعترض
تتجه الأنظار صباح الثلاثاء والأربعاء إلى البرلمان، حيث يحطّ مشروع قانون العفو العام بندًا أساسيًا وساخنًا على جدول أعمال الجلسة التشريعية لمجلس النواب. وعلى الرغم من أن هذا الملف أُشبع درسًا على مدى الأشهر الماضية، إلا أن الكواليس التي سبقت انعقاد الجلسة شهدت ولادة صيغة توافقية حاسمة كُسرت معها واحدة من أعتى العقبات التي لطالما عطلت الوصول إلى مخرج: ملف الموقوفين الإسلاميين والمتمادين في التوقيف الاحتياطي من دون صدور أحكام قضائية بحقهم منذ سنوات طويلة.
وفق مصدر نيابي متابع لـِ "المدن"، نجحت الضغوط والاتصالات التي مارستها الكتل النيابية السنّية في تثبيت تعديل جوهري وصارم داخل النص المرتقب. يقضي هذا التعديل بالإفراج الفوري والعاجل عن كل موقوف تجاوزت مدة احتجازه داخل السجون 12 سنة سجنية، من دون أن يصدر بحقه أي حكم قضائي مبرم أو نهائي.
هذا التعديل لم يكن ليمرّ لولا حصوله على موافقة صريحة ودعم مباشر من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أبدى مرونة واضحة في بلورة هذا المخرج، ما أدى إلى تأمين تأييد أغلبية الكتل النيابية الأساسية، ليشكل بذلك خرقًا جداريًا في أزمة الاكتظاظ السجني والظلم اللاحق بملفات بطيئة البت قضائيًا.
ووفق المصدر، فإنّ الحسابات القانونية والسجنية التفصيلية، وتطبيق معيار الـ 12 سنة سجنية ينسحب مباشرة على ملفات أثارت الكثير من السجالات السياسية والطائفية على مدى الأشهر الماضية. ويأتي في مقدمة هؤلاء الشيخ أحمد الأسير إضافة إلى العديد من موقوفي تلك الأحداث ومجموعات إسلامية أخرى. هذا النص يمهد بشكل عملي ومباشر لخروج الأسير من سجن الرومية خلال فترة زمنية لا تتجاوز السنة الفعلية، أي ما يعادل سنة وربع سجنية، وهو ما يضع أحداث عبرا ومضاعفاتها القضائية على سكة الخاتمة الحتمية. كذلك سيؤدي إلى إخلاء سبيل حوالى 3200 سجين.
تحفظ أمني
لكن هذه السلاسة السياسية على مستوى البرلمان لا تعني أن الطريق معبدة بالورود بالكامل. إذ يقول المصدر إنّ الشبح الأمني لا يزال يخيم على هذا التعديل ومساراته الإجرائية. ففي مقابل التوافق السياسي العريض الذي تبلور بين الرئاسة الثانية والكتل السنّية وأطراف أخرى، لا يزال موقف قيادة الجيش يتسم بالتحفظ. ينطلق موقف المؤسسة العسكرية من ثوابت مبدئية تتصل بحفظ حقوق الشهداء والجرحى الذين سقطوا في المواجهات المسلحة مع تلك المجموعات، ويرى في هذا التخفيف المجاني مساسًا بالهيبة الأمنية وقواعد العدالة.
وقد انعكس هذا التحفظ الأمني سريعًا داخل أروقة مجلس النواب، إذ يكشف المصدر لـِ "المدن" عن محاولات حثيثة قادتها بعض الأطراف النيابية للتعديل على صيغة الـ 12 سنة. وتمثلت هذه المحاولات في طرح مقترح مضاد وتقديم تعديل يرفع السقف إلى 14 سنة سجنية وأن يكون المستفيد قد أصدرت بحقه أحكامًا مبرمة، في محاولة المكسب منها قطع الطريق على شمول بعض الأسماء الحساسة والبارزة وفي مقدمتها الأسير. لكنّ التوازنات النيابية الراهنة، والدعم الصارم الذي يقدمه الرئيس نبيه بري للتوافق الإسلامي - الإسلامي وتنفيس الاحتقان، يرجحان كفة إقرار صيغة الـ 12 سنة كما صيغت وضُبطت في أروقة التوافق الأخيرة.
لكن الملف، دخل مرحلة شديدة الحساسية إثر تدخل مباشر من قيادة الجيش اللبناني لمراجعة صياغته المطروحة. ووفق معلومات "المدن"، سلم وزير الدفاع ميشال منسى نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب مذكرة خطية تتضمن تحفظات المؤسسة العسكرية على مقترحات الصياغة الأخيرة.
ترتكز خشية الجيش على إضافة كلمة "مبرمة" إلى عبارة "من لم تصدر بحقهم أحكام" كشرط للاستفادة من العفو لمن أمضوا 12 سنة سجنية. إذ تؤدي هذه الإضافة قانونيًا إلى توسيع مظلة الإفراج لتشمل محكومين صدر بحقهم أحكام ابتدائية لا تزال في مراحل الاستئناف أو التمييز. وتعتبر المؤسسة العسكرية أن هذا التعديل يمثل خطًا أحمر، كونه قد يفتح باب الإفراج عن متورطين في هجمات واشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى من عناصر الجيش، ومن بينهم موقوفون بارزون كالشيخ أحمد الأسير. وبذلك تحولت الصياغة النهائية لهذه المادة إلى العقدة الأساسية المعطلة لحسم القانون.
المسار الدستوري
ومع ترجيح سلوك القانون طريق الإقرار والتصويت بالغالبيّة، تبقى العلامة الفارقة والأخيرة متمثلة في موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي لا يزال غامضًا وغير واضح الحسم حتى هذه اللحظات، وسط تكتم حول الخيار الذي سيتخذه فور إحالة القانون إلى مكتبه.
وفي حال استقر رأي بعبدا على عدم التوقيع، سواء تضامنًا مع هواجس المؤسسة، فإن السيناريو الدستوري المرجح والجاهز هو استخدام الرئيس حقه الدستوري في رد القانون إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه. لكنّ هذا الرد، وفق القراءة القانونية، لن يعني بأي حال من الأحوال إجهاض مشروع العفو. إذ إن إعادة طرحه للتصويت في أول جلسة تالية بالغالبيّة المطلقة المعتمدة دستوريًا، ستعلنه قانونًا نافذًا وتفرض تطبيقه على السلطات القضائية والتنفيذية، لتطوى بذلك واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ التوازنات القضائية والأمنية والسياسية في لبنان.
فرح منصور - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|