UNIFIL: روحة بلا رجعة
من بين كلّ قوّات "حفظ السلام" في العالم العاملة اليوم، وعددها يقارب العشرين، لا توجد قوّة فشلت في مهمّتها كالـ "UNIFIL". دخلت إلى لبنان في العام 1978، وهي الآن في طريقها إلى المغادرة، بعد 47 عامًا (اسمها الرسمي "قوّة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان"!)، غير مأسوف عليها. فمهما كان وضع الجنوب اللبناني من حيث الوجود الدولي في مرحلة ما بعد هذه القوّة، فإنّه لن يشكّل غطاءً للعمل العسكري والميليشياوي بالشكل الذي أمّنته الـ"UNIFIL". وفيما البحث جارٍ عن بديل لهذه القوّة، يجب أن تكون الأولويّة لتعلّم دروس فشل الـ"UNIFIL" الذريع والمعيب، والتأكّد من أنّ أيّ قوّة مقبلة لن تعاني من الأعطاب البنيويّة نفسها، السياسية والفكرية، التي عانت منها هذه القوّة (أولها أن تكون قوّة تقودها الأمم المتحدة)، وجعلتها، من حيث أرادت أم لم ترد، شريكة للحرس الثوري الإيراني في استباحة أرض الجنوب اللبناني وجعله عبارة عن منصّة صواريخ تحتها مدن من الأنفاق.
لن ندخل هنا في تحليل دور الـ"UNIFIL" ما بين عامَي 1978 و2006. فقوة الأمم المتحدة كانت في تلك المرحلة مجموعة صغيرة من الجنود، عددهم لا يتجاوز الألفين، ومهمتها اقتصرت على الشق المعنوي: التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية والمساعدة على تثبيت السلام والأمن الدوليين. أما بعد العام 2006، فتغيّر دورها جذريًا، وتحوّلت من قوات "حفظ سلام" (peacekeeping) إلى قوات تساعد على "بناء السيادة" (sovereignty building). ارتفع عديدها من قرابة الألفين إلى أربعة عشر ألف جندي، ما جعلها ثاني أكبر قوة حفظ سلام في العالم، بعد الكونغو (عشرة أضعاف القوة في سوريا (UNDOF)). كانت مهمتها الرسمية، بحكم القرار الأممي 1701، مساعدة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها على أرضها، وضمان ألّا يكون هناك سلاح غير شرعي جنوب نهر الليطاني. في بداية مهمتها، كانت القوّة مدعّمة بجنود من دول حلف شمال الأطلسي (NATO)، شكّلوا 68٪ من الجنود (9000 جندي). وكانت القوات الفرنسية (1655 جنديًا) والإسبانية (1060 جنديًا) الأكثر فعالية، وكان جنودها يتجاوزون المهمة الحرفية المعطاة لهم وفق القرار 1701، بحيث كانوا يبحثون عن مخازن سلاح "حزب الله" لمصادرتها، ويعملون على الاستعلام عن نشاطات الحزب جنوب الليطاني.
في حزيران من العام 2007، استُهدفت القوة الإسبانية بمتفجّرة وُضعت على جانب الطريق، وقُتل أربعة جنود. أما في العام 2011، فاستُهدفت القوة الفرنسية بالطريقة نفسها، وجُرح خمسة جنود. منذ ذلك الحين، "أدّب" "حزب الله" قوات الـUNIFIL، محوّلًا إياها إلى أسرى لديه ولدى "الأهالي" التابعين له. تراجع الجنود إلى ثكناتهم، وزاد الإنفاق الاجتماعي (عمليًا "الخوّة")، محوّلًا إياهم إلى NGO تعمل لدى الثنائي الشيعي في جنوب لبنان، بميزانية تفوق نصف مليار دولار سنويًا. في أواخر العام 2011، كانت دول حلف الأطلسي قد سحبت جزءًا من قواتها، وأصبحت الدول غير المقاتلة من خارج الحلف (إندونيسيا، ماليزيا، إلخ) تشكّل الأغلبية العظمى من جنود القوة. اكتمل انقلاب محور الممانعة على القرار 1701 وقواته الدولية، وبدأ العد العكسي لعملية تحويل الجنوب اللبناني إلى قاعدة إيرانية متقدّمة وعميقة على حدود إسرائيل.
بين العام 2012 والعام 2022، وقفت قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان تتفرّج على بناء أكبر بنية تحتية عسكرية إيرانية خارج إيران. عشرة آلاف جندي من أربعين دولة، في مساحة جغرافية لا تتعدّى الـ800 كلم مربّع، لم ينتبهوا إلى بناء الأنفاق والقواعد العسكرية، ومنها ما بُني تحت مقرّات القوّة الأممية. استمروا في تعداد "الخروقات الإسرائيلية"، وإصدار البيانات عن التهدئة، و"التواصل" بين الأطراف المتنازعة. لم تُصدر القوّة ولو بيانًا واحدًا تهدّد فيه بإنهاء مهمتها في حال استمر "حزب الله" في بناء قوّته العسكرية جنوب نهر الليطاني. أصبحت مهمّة الـ"UNIFIL" بقاء الـ"UNIFIL"، بغضّ النظر عن الأهداف المعطاة لهذه المهمّة، وهو ما يُعرف بـmission creep. وبهذا، أصبحت القوّة الدولية "شاهد زور" على التحضير لحربَين مدمّرتَين عاشهما لبنان في السنتين الأخيرتين.
في ذلك العقد من الزمن، كان العذر المتّبع لدى المدافعين عن القوّة يقول بأنه، حسب القرار 1701، فإن الـ"UNIFIL" موكلة فقط بـ"مساعدة" الدولة اللبنانية في مهمتها، فيما لا يحق لها التصرّف بنفسها. وبما أن الدولة اللبنانية، العاملة وفق مقولة "جيش وشعب ومقاومة"، موافقة على الوضع القائم، فإن القوّة الأممية غير معنية بالتصرّف. في العام 2022، قرّرت الولايات المتحدة معالجة الوضعية الشاذة بإعطاء القوّة حقّ التصرّف غير المشروط بإذن مسبق من الدولة اللبنانية أو الجيش اللبناني. صدر القرار الأممي 2650، الذي أعطى القوّة حقّ القيام بعملياتها "بشكل مستقل" و"غير معلن". لكن المتحدّث باسم القوّة، أندريا تيننتي، صرّح في اليوم التالي بأن "لا شيء سيتغيّر" بخصوص عمل الـ"UNIFIL". شكّل ذلك المسمار الأخير في نعش الـ"UNIFIL"، التي أثبتت أنها غير قابلة للإصلاح، بغضّ النظر عن مجلس الأمن وقراراته الملزمة.
اليوم تُجرى مفاوضات متعدّدة الأطراف، تقودها الولايات المتحدة، حول القوّة البديلة لقوات الـ"UNIFIL" في جنوب لبنان. تجري هذه المفاوضات فيما الجنوب مدمّر ومحتلّ جرّاء حربين أطلقتهما إيران من الأراضي اللبنانية، وذلك بعد عشرين عامًا من انطلاق عمل قوات الـ "UNIFIL" وجنودها العشرة آلاف. الأهم بالنسبة إلى لبنان، وبالنسبة إلى الأمن والسلام العالميين، أن تكون هذه القوّة الجديدة الآتية إلى جنوب لبنان لا تشبه قوات الـ"UNIFIL" وفشلها وتخاذلها في شيء: لا بأوروبيتها، ولا بقرارها، ولا بعزيمتها، ولا بالتزامها المهمّة المعطاة لها. أفضل مثال على البديل المرتجى هو القوات التي نُشرت بقيادة أميركية في البوسنة ما بعد حرب يوغسلافيا (IFOR)، والتي حلّت مكان قوات الأمم المتحدة التي فشلت أثناء الحرب (UNPROFOR). لاحظوا الحرفين اللذين سقطا من الاسم لإنجاح المهمّة.
نداء الوطن - صالح المشنوق
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|