الأسد سقط في دمشق.. فهل بقيت شبكته في لبنان؟
عاد وليد جنبلاط، بكلامه الأخير عن وجود ضباط كبار من نظام بشار الأسد في لبنان، فتح ملف كان يتحرك منذ أشهر في الظل. فحين يسمّي جنبلاط علي مملوك وبسام الحسن، ويتحدث عن حمايات شبه رسمية يتمتع بها بعض رجال النظام السابق، فالمسألة لا تعود قصة ضباط فروا من سوريا بحثاً عن مكان آمن بعد سقوط النظام، والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان لبنان يتحول، عن قصد أو بفعل الإهمال، إلى مساحة تتجمع فيها بقايا منظومة أمنية ومالية حكمت سوريا لعقود، وكان للبنان نفسه نصيب ثقيل من ممارساتها.
وهذه ليست مسألة سورية داخلية. وهي بالتأكيد ليست مجرد مشكلة بين السلطة الجديدة في دمشق وخصومها القدامى. بالنسبة إلى لبنان، المسألة تمس أمنه القومي مباشرة.
يكفي اسم علي مملوك لفهم حساسية الأمر. فالرجل لم يكن موظفاً كبيراً في دولة سقط نظامها، بل واحداً من العقول الأساسية في المنظومة الأمنية السورية. حيث تولى رئاسة مكتب الأمن الوطني، وعرف لبنان جيداً، وكانت له علاقات وملفات فيه، واسمه حاضر في قضية ميشال سماحة ونقل المتفجرات من سوريا إلى لبنان، كما ورد في مسار التحقيقات المرتبطة بتفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس عام 2013، لذلك لا يستطيع لبنان أن يتعامل مع احتمال وجود مملوك على أراضيه كما يتعامل مع ضابط سابق قرر الهرب من بلاده.
والأكيد أن المشكلة في رجال مثل مملوك أنهم لا يصبحون أفراداً عاديين بمجرد سقوط النظام الذي كانوا يخدمونه. صحيح أن المناصب تزول، لكن العلاقات لا تزول بالسرعة نفسها. فالرجل الذي أمضى عقوداً في الأمن لا يحمل معه حقيبة ملابس فقط عندما يغادر بلاده، بل يحمل ذاكرة جهاز، وأسماء، وعلاقات، وأسراراً، ومعرفة بالحدود والبيئات السياسية، وشبكة من الأشخاص الذين تعامل معهم ووثق بهم. وفي حالة النظام السوري السابق، كانت هذه الشبكات تمتد إلى لبنان بصورة عميقة.
لذلك فإن معرفة مكان إقامة هؤلاء ليست سوى الجزء الأبسط من القضية. الأهم معرفة ما إذا كانوا ما زالوا على اتصال ببعضهم، ومن يوفر لهم المال والحماية، وما إذا كانوا يحتفظون بعلاقات داخل سوريا، وما الذي بقي من الروابط القديمة بين الضباط ورجال الأعمال والوسطاء الذين شكلوا معاً البنية الفعلية للنظام.
وهنا تبدأ الخطورة بالنسبة إلى سوريا الجديدة أيضاً. ليس مطلوباً افتراض وجود مؤامرة في كل شقة يسكنها ضابط سابق. لكن من السذاجة أيضاً الاعتقاد أن تجمع ضباط أمن وعسكريين سابقين على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود السورية مسألة لا تستحق القلق. سوريا لم تصل بعد إلى استقرار نهائي، ومؤسساتها الجديدة ما تزال في طور التكوين، ومراكز القوة التي انهارت مع الأسد لم تختف كلها. فبعض رجال النظام خسر السلطة، لكنه لم يخسر بالضرورة المال أو العلاقات أو القدرة على التأثير.
ولبنان، بحكم الجغرافيا قبل السياسة، هو المكان الأخطر لوجود هذه الشبكات. الحدود طويلة، ومسالك التهريب معروفة، والعلاقات العائلية والتجارية والأمنية بين البلدين أقدم من النظامين نفسيهما. وإذا شهدت سوريا مستقبلاً تحركاً أمنياً تقف خلفه شخصيات من النظام السابق، ثم ظهر أن خيطاً منه مر عبر لبنان، فإن بيروت لن تستطيع التعامل معه باعتباره شأناً سورياً. ستجد نفسها في قلب أزمة سياسية محتملة مع دمشق، وقد يصبح لبنان مرة أخرى ساحة للصراع على سوريا، وهذا تحديداً ما يجب منعه.
لكن هناك عقدة أخرى لا يمكن تجاوزها، هي حزب الله. طوال سنوات الحرب السورية لم تكن علاقة الحزب بأجهزة النظام علاقة سياسية من بعيد. كانت علاقة ميدان وأمن وعمليات مشتركة. ضباط من المخابرات الجوية والفرقة الرابعة وأجهزة أخرى عملوا سنوات إلى جانب الحزب، وتشكلت بينهم علاقات شخصية ومصالح وثقة متبادلة.
وسقوط الأسد أسقط الإطار الرسمي لهذه العلاقة، لكنه لا يستطيع أن يمحو خلال أشهر ما تشكل خلال أكثر من عقد، لذلك يصبح الحديث عن حماية بعض ضباط النظام السابق شديد الحساسية، خصوصاً بعد إعلان نعيم قاسم استعداد حزب الله للحوار مع الدولة السورية. والحوار بين الحزب ودمشق ليس المشكلة، بل قد يكون ضرورياً في نهاية المطاف. المشكلة تبدأ إذا أصبح رجال النظام السابق جزءاً من أدوات هذا الحوار.
ولا يجوز أن يصبح ضابط مطلوب لدمشق ورقة تفاوض لبنانية، ولا أن تتحول حمايته أو معرفة مكانه إلى رصيد يستخدم للحصول على شيء في المقابل. لأن ذلك يعيدنا مباشرة إلى الطريقة القديمة في إدارة العلاقات اللبنانية-السورية، من خلال أجهزة تتفاوض مع أجهزة، وأحزاب تدير ملفات تتجاوز الدولة، ومطلوبين يتحولون إلى أوراق، في حين تقف المؤسسات الرسمية على الهامش.
والمسألة لا تتوقف عند الضباط. خلف كل نظام أمني بهذا الحجم كانت هناك منظومة مالية، كرجال أعمال، شركات، وسطاء، عقارات، أموال، شراكات نشأت تحت حماية السلطة والأجهزة. وعندما انهار النظام، لم تتبخر هذه الأموال معه. بحث أصحابها عن مخارج، وعن أماكن يمكن نقل الأموال إليها وتحويلها إلى أصول يصعب الوصول إليها.
لهذا فإن أي حركة مالية أو عقارية غير طبيعية مرتبطة بشخصيات كانت جزءاً من الدائرة الاقتصادية للنظام السابق تستحق التدقيق. ليس من أجل إطلاق الاتهامات جزافاً، وليس كل سوري يشتري عقاراً في لبنان جزءاً من شبكة فلول، لكن لأن الشبكة الأمنية من دون المال تصبح ضعيفة، بينما المال من دون غطاء وعلاقات يبحث دائماً عن شبكة تحميه. وعندما يبدأ الاثنان بالظهور في المكان نفسه، يصبح من واجب الدولة أن تسأل.
هناك أخيراً ما هو أخطر من الحسابات السورية كلها، هو السلم الأهلي اللبناني، فاللبنانيون لم ينسوا مرحلة النظام السوري، وطرابلس لم تنس تفجيري التقوى والسلام، وعائلات المعتقلين والمفقودين لم تغلق ملفاتها. ووجود شخصيات ارتبطت أسماؤها بتلك المرحلة، وخصوصاً إذا كانت محمية من طرف لبناني، كل ذلك قادر في لحظة واحدة على إعادة فتح جروح سياسية وطائفية اعتقد البعض أنها أصبحت خلفنا.
يكفي أن يتعرض أحد هؤلاء لعملية اغتيال أو خطف، أو أن تظهر محاولة للانتقام منه، حتى يتحول ملف سوري إلى مشكلة لبنانية داخلية. عندها لن يعود السؤال من يحمي فلاناً، بل من يحمي لبنان من صراع جديد لا مصلحة له فيه.
ليس المطلوب مطاردة كل من خدم في الدولة السورية السابقة. ولا يجوز تسليم إنسان لمجرد أن السلطة الجديدة في دمشق تعتبره خصماً. المطلوب شيء أكثر بساطة وأكثر جدية: أن تكون الدولة اللبنانية هي صاحبة الملف. أن تعرف من يقيم على أراضيها، ومن يحمل إقامة قانونية، ومن توجد بحقه مذكرة قضائية، ومن يطلبه القضاء السوري أو الدولي، ومن يوفر الحماية لمن، وأن تمنع أي نشاط أمني أو تنظيمي ينطلق من لبنان ضد سوريا.
ما قاله جنبلاط يجب ألا ينتهي عند حدود السجال السياسي، لأن السؤال الذي طرحه، ربما من دون أن يقوله بهذه الصراحة، أكبر من علي مملوك نفسه: هل الدولة اللبنانية تعرف فعلاً ماذا بقي من منظومة الأسد على أراضيها؟ إذا لم تكن تعرف، فهذه مشكلة. وإذا كانت تعرف ولا تتحرك، فالمشكلة أكبر.
صهيب جوهر- تلفزيون سوريا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|