الحزب يكشف خياراته في علي الطاهر: متى ينتهي الصبر ويبدأ الرد؟
مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، تبرز أسئلة حول خيارات حزب الله في المرحلة المقبلة، بعدما بدأ سقف التصعيد الإسرائيلي يختبر حدود سياسة الصبر الاستراتيجي التي يعتمدها الحزب في الفترة الأخيرة. فبيان الحزب الصادر بعد العدوان على أنصار ودير الزهراني، الذي أكد أن الاعتداءات الإسرائيلية "ستقابل بما يناسبها"، يوحي بأنّ التصعيد لن يبقى من دون حساب. فكيف يمكن أن يتبلور هذا الموقف؟ ومتى يمكن أن تصل الأمور إلى "ساعات الذروة" بالنسبة إلى الحزب؟
في المقابل، الحزب يبدو أمام خيارات صعبة. ردّه على التصعيد الإسرائيلي يعطي رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو فرصة لتوسيع العدوان واستثمار المواجهة انتخابياً. وإذا لم يردّ، يجد الحزب نفسه أمام سؤال أكثر إحراجاً: إلى أين يمكن أن يستمر هذا الصبر، ولماذا دخل أساساً في حرب الإسناد الثانية، إذا كان سيكتفي بالامتناع عن الرد، فيما الجنوب يُستباح يومياً؟
وفي هذا السياق، تكتسب تطورات علي الطاهر أهمية خاصة، فيما إذا كانت ستمثل الحدث الذي يفرض إعادة النظر في قواعد الاشتباك، أم أنّ مسار ضبط النفس سيستكمل، بانتظار المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية. ولا تقتصر التعقيدات على الميدان. فالحزب، الذي يرفض اتفاق الإطار سياسياً، لم ينتقل حتى الآن إلى خطوات عملية لمواجهته، فيما تتقدم مسارات التفاوض وتتغير معها الوقائع السياسية والأمنية، ويكتفي الحزب بالمواقف التصعيدية تجاه الدولة.
في حديث مع "المدن" يقرأ مصدر في حزب الله في تبعات الأحداث، ويجيب عن أسئلة المرحلة المقبلة، ومتى يكون الإنذار الأخير للحزب؟ يعتبر المصدر أنّ إسرائيل لا تتجه في هذه المرحلة بالضرورة نحو حرب واسعة، بل تحاول استثمار التصعيد لتحقيق مكاسب ميدانية، وفي مقدمتها فرض واقع جديد في علي الطاهر، مستفيدة من تعثر المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية. وفي المقابل، يؤكد أنّ حزب الله بدوره لا يريد أن يتحرك وفق التوقيت الإسرائيلي، وأن أي رد محتمل سيكون مدروساً ومربوطاً بمصالحه وتوقيته. لكن استمرار الضغوط والضربات الإسرائيلية قد يدفع الأمور إلى نقطة يصبح معها الرد أكثر صعوبة في التأجيل، خصوصاً إذا حاولت إسرائيل توسيع دائرة المواجهة وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ذروة التصعيد تتراجع
في هذا السياق، يؤكد مصدر حزب الله ضرورة التوقف عند السياق الكامل لما يحصل على الأرض، مشيراً إلى أن ذروة التصعيد تراجعت عملياً إلى مستوى محدد، استناداً إلى الاتفاق الحاصل في إسلام آباد. في المقابل، عاد أكثر من 50 بالمئة من الجنوبيين إلى قراهم وبلداتهم، وكذلك تراجعت الاستهدافات والاغتيالات مقارنة بما كانت عليه في السابق. واقع يفرض الانتقال إلى النقطة الثانية، تحديداً ما يرتبط بالمناطق التجريبية التي كانت نتيجة لمفاوضات واشنطن. وبحسب المصدر، فإنَّ "لبنان، ومن موقعه الضعيف في المفاوضات، ترك الإسرائيلي عملياً موجودا ًفي هذه المناطق، ومحتلاً لعدد كبير من القرى والبلدات الجنوبية. أمّا الاحتكاك الثاني، فيتمثل في منطقة علي الطاهر"، حيث يرى المصدر أنّ إسرائيل تعتمد اليوم سياسة تقوم على منع الأهالي من العودة إلى النبطية الفوقا والمناطق القريبة من تلال علي الطاهر، بالتوازي مع تنفيذ عمليات اغتيال، إضافة إلى استمرار القصف على المنطقة.
ويهدف هذا التصعيد، وفق القراءة المطروحة، إلى تحقيق أمرين أساسيين: الأول ممارسة الضغط في منطقة النبطية على البيئة المحيطة، والثاني أن يكون الإسرائيلي قد بنى تقديراً مفاده أن القرى المحيطة بعلي الطاهر قد تؤدي دوراً معيناً، كأن تسهّل مثلاً إيصال الإمدادات إلى المنطقة.
مناورة إسرائيلية
يعتبر المصدر في حديثه لـِ "المدن" أنّ ما نشهده اليوم يرتبط بعاملين أساسيين: الأول هو اتفاق إسلام آباد وما نتج عنه من وقف للتصعيد، والثاني هو مسار مفاوضات واشنطن وما سُمّي بالمناطق التجريبية، والتي أثبتت أنها كانت، وفق هذا التقييم، مناورة إسرائيلية، في ظل إصرار إسرائيلي على إخضاع الجيش اللبناني لاختبار والبناء على نتائجه في المناطق التجريبية الثانية. ويتابع: "من هنا، يتحرك الإسرائيلي في علي الطاهر، وقد حوّل المنطقة إلى عنوان كبير، من خلال الحديث عن وجود محاصرين ومقاومين. وبالتالي، كلما جرى تضخيم هذا العنوان، أصبحت أي خطوة إسرائيلية في المنطقة بمثابة إنجاز بالنسبة إلى إسرائيل. وتقوم هذه السردية الإسرائيلية على فكرة تحقيق إنجاز ميداني، وعلى حاجة إسرائيل إلى هذا النوع من الإنجازات".
فكيف يمكن لإسرائيل أن تحقق هذا الإنجاز؟
وفق المصدر، هناك طريقان أساسيان أمام إسرائيل لتحقيق هذا الهدف. الطريق الأول يمر عبر المفاوضات. أما الطريق الثاني، فيتمثل في الضغط على الأميركيين لدفع لبنان إلى تسليم منطقة علي الطاهر للجيش اللبناني.
وتقوم الفكرة المطروحة أميركياً وإسرائيلياً على أن يدخل الإسرائيلي إلى المنشأة، بما يتيح لاحقاً إدخالها ضمن آلية التحقق التي ستُفرض بناءً على اتفاق الإطار. وفي هذا السياق، يجري الحديث عن شركات أمنية قد تختارها الولايات المتحدة وتتولى مهمة التحقق داخل المنشأة، وهو سيناريو قد يحقق لإسرائيل جانباً من أهدافها.
كما يبرز عنوان آخر يتعلق بالدول التي يمكن أن تشرف على عملية التحقق، في ظل رفض أميركي وإسرائيلي لمشاركة ألمانيا وفرنسا، فيما تبدو إيطاليا، وفق هذه القراءة، أقرب إلى القبول.
وبالتالي، ووفق قراءة المصدر في حزب الله، فإنّ السيناريو هذا تسعى إليه إسرائيل في المرحلة الأولى، فيما يبقى الاحتمال الآخر مرتبطاً بخيار الحرب والتصعيد.
وهذا الخيار بدوره يمكن أن يأخذ أكثر من سيناريو. يشرح المصدر: "الأول أن تلجأ إسرائيل إلى التصعيد، ولكن من دون الذهاب إلى حرب واسعة، بحيث تحاول السيطرة على المنشأة من دون معركة كبيرة، عبر إطباق عسكري واسع وتنفيذ غارات جوية مكثفة، على أمل أن يؤدي هذا الضغط العسكري إلى السيطرة على المنشأة. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في الذهاب إلى حرب واسعة مهما كانت كلفتها. وتكمن خطورة هذا الخيار بالنسبة إلى إسرائيل في أنه يعني توسيع الحرب من دون سقف واضح، بما قد يؤدي إلى عودة قواعد الاشتباك التي كانت قائمة خلال الحرب السابقة".
تدخل إيراني
ويتابع المصدر: "إضافة إلى ذلك، فإن اتفاق إسلام آباد ينص، وفق هذه القراءة، على عدم توسيع الحرب، وعلى وقف التصعيد. وبالتالي، إذا عادت إسرائيل إلى التصعيد، فقد تتعامل إيران مع الأمر على أساس أنها معنية بالرد، بما يفتح الباب أمام احتمال استئناف الحرب، باعتبار أن الاتفاق كان قائماً على وقف الحرب على لبنان".
وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة لا تريد، وفق هذه القراءة، الانجرار إلى هذا النوع من الانزلاق الكبير، لما قد يترتب عليه من توسع في المواجهة وخروج عن قواعد التصعيد التي تم التوصل إليها.
ويحصر ذلك عملياً السيناريو الأكثر ترجيحاً أمام إسرائيل في محاولة الوصول إلى تسليم المنطقة للجيش اللبناني، بالتوازي مع سياسة الإطباق العسكري والغارات والضغط الميداني، من دون الذهاب إلى حرب واسعة، كما يؤكد المصدر.
ويضيف: "وفي ظل عدم رغبة الأميركيين، حتى الآن، في العودة إلى الحرب، يمكن أن يدفعوا الإسرائيلي إلى الاستثمار في حالة الفراغ القائمة، ولا سيما في ظل تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران. ومن هنا يمكن استنتاج احتمال وجود ضوء أخضر أميركي لإسرائيل للتحرك في علي الطاهر، ولكن من دون الذهاب إلى حرب واسعة".
كيف سيرد الحزب؟
وعند الانتقال إلى السؤال حول كيفية تعاطي حزب الله مع هذه السيناريوهات، يشير المصدر المعني إلى أنّ الحزب تعامل مع وقائع كانت أكثر صعوبة من الوضع الحالي. ويلفت إلى أن الإسرائيلي يريد اختيار التوقيت، فيما لا ينبغي، بالنسبة إلى الحزب، تقديم ما يسعى إليه الإسرائيلي في التوقيت الذي يريده، خصوصاً أن نتنياهو يريد تحقيق إنجاز يمكن توظيفه في الانتخابات الإسرائيلية.
وبالتالي، فإذا لم يكن الإنجاز في علي الطاهر، فقد يندفع الإسرائيلي إلى توسيع دائرة الضربات وفرض عودة التصعيد بشكل تدريجي. وإذا كان نتنياهو يمارس نوعاً من المغامرة السياسية، فإن الحرب بالنسبة إليه قد تكون وسيلة لتحصين ظروفه السياسية.
في المقابل، يرى المصدر أن على الحزب أن يختار توقيته بطريقة لا تساعد الإسرائيلي على جعل حركته مفتوحة، خصوصاً في ظل التعثر القائم في المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية، والذي يتيح للإسرائيلي استثمار الفراغ الحالي وتنفيذ ضربات وتحركات في الجنوب تحديداً.
أما في حال اتُخذ خيار الرد، فيؤكد أنّ الخيار سيكون مدروساً ودقيقاً، ومرتبطاً بتحقيق مصالح الحزب، وليس مجرد رد فعل على التصعيد. ويضيف أن الإسرائيلي، من خلال تضخيمه موضوع علي الطاهر وإعطائه أبعاداً كبيرة، يحاول الوصول إلى نتيجة يعتبرها حتمية، وهو ما قد يدفع نتنياهو إلى عدم الانضباط تحت الرغبة الأميركية، والذهاب إلى خطوة متهورة تؤدي في نهاية المطاف إلى جعل رد حزب الله أمراً حتمياً. وعندها "قد تضطر المقاومة إلى اتخاذ الموقف الذي كانت تحاول تجنبه".
ويؤكد المصدر أنّ التصعيد الإسرائيلي الأخير جاء عشية انتهاء مهلة الستين يوماً المرتبطة بالاتفاق الأميركي ـ الإيراني، انطلاقاً من اعتقادها بأن المفاوضات متعثرة، وأن توسيع هذه الحوادث يمكن أن يؤدي إلى إعادة الاشتباك، بما يوفر لها مبرراً لتوسيع ضرباتها، معتبراً أنّ إسرائيل تسعى، من خلال هذا المسار، إلى إعادة إشعال الوضع ليس فقط على مستوى لبنان، وإنما أيضاً على مستوى إيران، ودفع الأمور نحو حرب أوسع وتوسيع دائرة المواجهة.
زينب زعيتر - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|